الدكتور مينو خاني
22 أيار 2025 / قراءة: 5 دقائق
ملف الفن والتمهل

التمهل وفن المنمنمات

استنادًا إلى الوثائق القليلة المتبقية عن أحوال فناني المنمنمات، فإن التجرد، ونقاء البصيرة الشخصية، واستلهام الفنانين من المصادر الأدبية البارزة في الثقافة الإيرانية والإسلامية، كانت عوامل أساسية في خلق أعمال جميلة ومؤثرة تحرك البصر والروح لدى المتلقي. بناءً على ذلك، ومن خلال اجتماع مجموعة العوامل المذكورة، فإن فن المنمنمات الإيراني يمتلك طاقة داخلية تنقل إحساس البهجة، والفرح، والسرور العميق إلى المتلقي، مما يُطهر روحه ونفسه، ويقوده – مثلما يقود خالق العمل – إلى السكون والخشوع، بل إلى ما هو أسمى ...

التمهل وفن المنمنمات

مجلة "ميدان آزادي": في ملف «الفن والتمهل»، تسعى الدكتورة مينو خاني – أستاذة جامعية، ناقدة فنية وباحثة في فن الرسم – إلى استكشاف تأثير التمهل في فن المنمنمات. تابعوا قراءة هذا المقال فيما يلي :

خلفية فن المنمنمات

تمتد جذور فن المنمنمات إلى القرون التي سبقت دخول الإسلام إلى إيران؛ فغار دوشه في لرستان (الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ثمانية آلاف عام) أو كتاب «أرژنك» لمانِيّ الرسّام في العصر الساساني هما مثالان على ذلك .

من نماذج المنمنمات التي ظهرت بعد دخول الإسلام إلى إيران في سنة 651 ميلادية، يمكن الإشارة إلى اللوحة الجدارية في قصر «جوسق الخاقاني» في عهد العباسيين .

ورغم أن هذا النمط من الرسم (الجداري) تلاشى تدريجيًا، نظرًا لسيطرة القواعد الإسلامية التي تحث على التمهل وتجنب تصوير الأشكال البشرية أو الحيوانية، إلا أن عناصره الزخرفية انتقلت إلى فن المنمنمات وتنسيق الكتب، وبدأ عصر ازدهار فن المنمنمات الإيراني في حكم العباسيين؛ وذلك عندما شرع الفنانون في تنسيق كتاب «الأدوية المفردة»، فالتقطوا أقلامهم وصوّروا في صفحات الكتاب الصغيرة المفاهيم والموضوعات .

يُعتبر مذهب منمنمات بغداد أول مدرسة مسجَّلة في تاريخ فن المنمنمات في إيران الإسلامية، ثم ظهرت بعده مدارس السلاجقة وتبريز الأولى والجيلارية وشيراز الأولى وهرات وشيراز الثانية وتبريز الثانية وأصفهان والقاجار، على التوالي، خلال حكم السلاجقة والإلخانيين والجيلاريات والتيموريين والصفويين والقاجاريين .

وقد حافظ كل من هذه المدارس على العناصر الأساسية للمدرسة التي سبقته وأضاف إليها ما رفْعَ من شأن فن المنمنمات الإيراني حتى أصبح في مقدمة مدارس المنمنمات عالميًا .

من المرموقات البارزة في فترات المنمنمات الإيرانية المتعاقبة: «ورقة وگلشاه» و«شهنامه دموت» و«شهنامه بيسنقري» و«شهنامه طهماسبي» و«السبع أورنگ جَامي» و«خمسة نظامي» و«ديوان خواجو الكرماني »


"شاهنامه طهماسبی" تحفة فن المنمنمات الإيراني

الخصائص الشكلية للمنمنمات

لكل مدرسة من مدارس المنمنمات الإيرانية خصائصها الشكلية التي تميّزها عن غيرها، مثل اختيار لوحة الألوان أو تناسب الأجسام البشرية، لكنّ جميعها تشترك في سمات أسلوبية متشابهة، كتصوير الوجوه في منظر ثلاثة أرباع، وغياب العمق والمنظور، واستخدام زوايا مختلفة في تجسيد العناصر داخل لوحة واحدة، ومجموعة من المشاهد التي تُرى في الوقت نفسه من الأمام ومن الأعلى، لتبرز مدى وسعة رؤية الفنان المنمنمّم .

التكوين المكاني أحد أهمّ أسس هذا الفن؛ فهو يُستخدم لخلق وتجسيد العالم المثالي ويُوحي بما يُعرف بـ«التكوينات المتعددة الجوانب». إنّ التكوين المكاني في فن المنمنمات ليس تصويرًا ثلاثي الأبعاد مزيفًا يتبع قواعد المنظور والنقطة الوحيدة للرؤية، ولا هو فضاء ثنائي الأبعاد بسيط، بل هو تركيب يقع بين السماء والأرض وبين الخيال والواقع، يحلق بالمشاهد في عالم المثال ويمنحه إحساسًا بالخلسة مصحوبًا بالتمهل.

المبدأ المهم الآخر في النظام الجمالي والشكلاني لفن المنمنمات الإيراني هو الارتباط الداخلي بين الصورة والنص، وتُعد الخط عاملاً أساسيًا في هذا الربط. فالخط يشكل الكتابات، ويكوّن الأشكال، ويفصل السطوح اللونية عن بعضها البعض. لذا، تبدو مجموعة النص والصورة مثل شبكة متناغمة ومتماسكة من الخطوط، دالة على التوازن والسكينة في ذهن الفنان المنمنمّم .

في فن المنمنمات، تُسقط الأضواء دون أن تُلقي بظلال، فتتجلّى عناصر الرسم بوضوح تام وبطيف لوني لامع. إن تجمع وتفرق العناصر يُحدث حركة بصرية ضمن هذا التكوين المكاني «غير الطبيعي»، وتؤدي هذه الديناميكية لكل جزء إلى تحقيق التوازن في كل العمل. ولا تنبع هذه الخاصية من مجرد توازن الخطوط وتجانس الألوان فحسب، بل تتأتّى أيضًا بفضل الأساليب الهندسية لبناء الصورة وقواعد التكوين الدائري واللولبي؛ تلك الدوائر والدوامات التي ترمز إلى الرقة والنعومة والسلاسة والتكرار والانطواء والسكينة الروحية والسماوية والنقاء والألفة .

ولا بدّ من الإشارة إلى نزعة المنمنمين إلى تجنّب العينية الصرفة، مما دفعهم للاعتماد على الخيال والتأويلات الأدبية عند اختيار ألوان بعض العناصر. فقد اختار الفنانون، في عناصر مثل السماء والجبال والبحار، ألوانًا تختلف عمّا يُرى بالعين المجردة، تأكيدًا على البُعد المثالِي للمنمنمات وإيقاظًا لحسِّ العالم الروحي لدى المتلقّي .

الخصائص الموضوعية بين فن المنمنمات والأدب الفارسي

ارتبط جزء كبير من تاريخ المنمنمات الإيراني ارتباطًا وثيقًا بالأدب الفارسي، فانتقل في ذهن المنمنم موضوع القصص غالبًا من الملاحم والغزليات الشعرية التي تنسجها أنامل الشعراء. وكانت هذه القصص، المستمدة من الأساطير والتاريخ القديم، تجسد ذاكرة قومية، ومثالًا روحيًا، وحياة ثقافية نابضة شعرها فردوسي ونظامي وسعدي وحافظ وجامي. وعبّرت المنمنمات عن هذا الغنى بلغة الخط واللون، فصارت الصور تعكس جوهر القصيدة وروحها .

غير أن المنمنم لم ينخرط في سرد الوقائع بالأحرى، بل اقتصر على تصوير روح القصة وخلاصة مضمونها، مستفيدًا من الصور الخيالية المشتقة من الشعر الفارسي. فقد شبَّه الشعراء الليل باللآلئ واللاجورد، والشمس بالدرع الذهبي، والنهار بالياقوت الأصفر، والوجه بالقمر، والطول بالسرو، فتولَّت يد المنمنم نقل هذه الاستعارات إلى شكل بصري يضاهي جمالها اللغوي. ومع مرور الزمن، كوَّن المنمنمون رصيدًا من الرموز المتعارف عليها المبنية على مضامين الأدب الملحمي والغنائي، وظلوا يستخدمونها مع تعديلات طفيفة عبر العصور .

حتى بعد انفصال المنمنمات عن النصوص وتحولها إلى رسوم ورقية مستقلة، استمر المنمنمون في اتباع النهج الشعري ذاته، وإن اختلفت الصياغة. فقد باتت هذه الرسوم المنفردة تعبّر عن خلاصة مقطوعات أدبية، لا سيما الأدب الغزلي، من دون ترتيب سردي خطّي، فتغيرت إلى فن غزلي وشاعري يعكس الروح العارفية للفنان ويأخذ المتلقّي في رحلة غزلية تنبض بجوهر الشعر الفارسي الأصيل  .


المنمنمات في " خمسة نظامي "

كان المنمنم الإيراني إمّا صوفيًا عارفًا بنفسه، أو أن خلفيته الفكرية كانت تتصل، عبر ألفته مع الشعر والأدب الفارسي، بالحكمة القديمة الإيرانية وبالتراث الصوفي الإسلامي. كان الصوفيون يؤمنون بمراتب الوجود الثلاث: المعقول، والمحسوس، والمثالي. فالعالم المعقول هو مقام الروح، والعالم المحسوس مقام المادة، بينما يقع عالم المثال بينهما ولا يمتلك واقعًا ماديًّا. استنادًا إلى هذه المعارف، لم يسع المنمنم الإيراني إلى محاكاة الطبيعة، بل كان يطمح إلى تجسيد أصل وجوهر الصور الطبيعية المتجلّي في أعماق نفسه. ولهذا السبب، لا تجسّد المنمنمات زمانًا أو مكانًا محددين، ولا تظهر فيها كميات فيزيائية، ولا تُطبَّق قوانين رؤية العالم الحقيقي. فالجبل والشجرة والإنسان والطيور في هذه المنمنمات هم في الأساس نماذج أزلية–أبدية (أرْكِيتايب) لا أشكال منقولة عن الطبيعة بالمباشرة .

وبما أن المنمنم في أعماله البارزة يحوّل النص الشعري إلى صورة، ولأن للشعر رقة ونعومة لا بد من احترام أحوالها الداخلية لإنتاج تصوير صادق، فإن الرقة البصرية في المنمنمات المستمدّة من منابع أدبية تسري في اللوحة وتمنحها إحساسًا بالسكينة والتمهل .

وقد ذكرنا أن المنمنمات نوع من تصوير الكتب، وأن هذا التصوير يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالخط العربي وفنون الزخرفة البصرية مثل التذهيب والشعر والزخارف الهندسية. ولم تقتصر هذه الفنون على هوامش الإطار، بل ظهرت بحسب المدارس المختلفة داخل اللوحات نفسها، مما أكسب تفاصيل المنمنمات الإيرانية دقة ورقة تشبهان انسيابية الخط الإيراني .

اللطافة الشعرية في علاقة المنمنم بالمشاهد

استنادًا إلى هذه الخصائص الشكلية والمضمونية، قدّم الوصول إلى المعرفة، ووصف النقاد فن المنمنمات الإيراني على أنه فن يصوّر العالم اللامادي وفن روحي. إن ارتباط المنمنمات الإيرانية بالعالم الروحي يتجلّى في أن المنمنم الإيراني، بفضل تنشئته الصوفية واحتكاكه بالتصوف والحكمة والفلسفة، اكتسب قدرة على رؤية الأحلام الصادقة، ثم عَرَضَ مشاهداته الفنية على المتلقّي من خلال المنمنمات .

ووفقًا للوثائق القليلة المتبقية عن أحوال المنمنمين، فإن الزهد، ووضوح الضمير الشخصي، واستلهام الفنانين من المصادر الأدبية البارزة في الثقافة الإيرانية والإسلامية، كانت عوامل أساسية في خلق أعمال جميلة تحرك البصر والروح عند المتلقّي. وبناءً على ذلك، ومن خلال اجتماع مجموعة العوامل المذكورة، تمتلك المنمنمات الإيرانية طاقة داخلية تستدعي إحساس البهجة والفرح والسرور العميق في النفس، فتطهر الروح كما يفعل خالق العمل، وتقود المتلقّي إلى السكون والخشوع، بل إلى ما هو أسمى من ذلك، أي إلى السمو والسمو الروحي .




الصور المرفقة

  • آرائكم تهمنا
  • لن يتم نشر الرسائل التي تحتوي على قذف أو تشهير!

التكوين المكاني أحد أهمّ أسس هذا الفن؛ فهو يُستخدم لخلق وتجسيد العالم المثالي ويُوحي بما يُعرف بـ«التكوينات المتعددة الجوانب». إنّ التكوين المكاني في فن المنمنمات ليس تصويرًا ثلاثي الأبعاد مزيفًا يتبع قواعد المنظور والنقطة الوحيدة للرؤية، ولا هو فضاء ثنائي الأبعاد بسيط، بل هو تركيب يقع بين السماء والأرض وبين الخيال والواقع، يحلق بالمشاهد في عالم المثال ويمنحه إحساسًا بالخلسة مصحوبًا بالتمهل.

المبدأ المهم الآخر في النظام الجمالي والشكلاني لفن المنمنمات الإيراني هو الارتباط الداخلي بين الصورة والنص، ويُعدّ الخط العامل الأساسي في هذا الربط. فالخط يشكل الكتابات، ويكوّن الأشكال، ويفصل الطبقات اللونية عن بعضها البعض. ولذلك، تبدو مجموعة الكتابات والصورة كشبكة متناغمة ومتماسكة من الخطوط، دالة على التوازن والسكينة في ذهن الفنان المنمنم.