مجلة ميدان آزادي: ملف «الفن والتمهل» تقرير عن معنى التمهل وتاريخه وبدايته وتأثيره على عالم الفن. تابعوا قراءة هذا التقرير من قلم رقية كيه فيما يلي :
عجلة وتمهُّل الحياة
إذا انطلقت من طهران حتى تصل إلى قرية والدتي في سفوح جبال البرز، فإنك تحتاج إلى ساعتين فقط لتعزل نفسك عن سرعة الحياة في المدينة وتبلغ هدوءَ ريف أخضر يزخر بالشلالات والجداول الجارية والأشجار المهيبة القديمة .
في بعض الأيام، لا يكون سكان هذه القرية سوى عائلتي وأنا، فتسمع حينها أصوات الطبيعة أكثر من أي صوت آخر. همسات الريح وهي تجتاز أغصان أشجار التبريز، تحوّل الظلال على أرض الوادي، انزلاق الصخور بخفة في قاع النهر، وتحرك الشمس بالتمهل على مسار الجبال… كلُّ محيطك يدعوك إلى التمهُّل في الحياة؛ إلى الهدوء والتأمّل. وأحيانًا، وسط هذا التمهُّل والصمت، تتمنى لو أن بإمكان أحدهم الضغط على زرّ إيقاف مؤقت للحياة، لتسير بأجواء التمهل، تمامًا كما تدور ورقة الجوز بتمهّل وهي تنفصل عن الشجرة قبل أن تصل بلطف إلى أحضان النهر .
لكن الحياة الحضرية تخلو من كلّ ذلك: أصوات أبواق السيارات، وأعمال البناء، والزحام المروري، والصخب والضوضاء… أحيانًا لا يبعدك جدران المنزل عن هذه الأصوات والهيجان. تتضافر كلُّ هذه العوامل لتدفع الحياة على وتيرة سريعة، فتسلب الإنسان فرصة التمهل والتوقف .
ومع ذلك، في ظل السرعة المذهلة لوتيرة الحياة في المدن اليوم، تُسمع همسات عن التمهل. ما سمّوه فن العيش المتمهل. هذه الحركات هي بمثابة ردّ فعل اجتماعي على التسارع في مسار الحياة، إذ لا يرون القيمة في إنجاز الأمور بسرعة أكبر .
معنى التمهل في الحركات المبنية على التمهل
قد يبدو فهم هذا المبدأ الخاص صعباً بعض الشيء. فهل يعني التمهل أن تُنجزَ الأعمالُ ببطء مُفرط، أو أنه مبررٌ للتكاسل أو المماطلة؟
أحد أكبر المفاهيم الخاطئة عن التمهل هو الاعتقادُ بأن كل شيء يُنفَّذ على «عجلة التمهل»، وأن علينا أن نسيرَ بسرعة السلحفاة؛ لكنّ التمهل في هذه الحركات يعني إنجازَ كلّ عملٍ بالوتيرة المناسبة، بدلاً من السعي لإنهائه بأسرع ما يمكن، مع إعطاء القيمة للجودة على الكمية، وتخصيص الوقت المناسب للأشياء التي تهمك .
التمهّل هو أسلوبُ تفكيرٍ يطالب أتباعه بوضع نمط حياة أكثرَ معانيّةً ووعيّاً، يتماشى مع ما يقدّرونه في حياتهم. أن يعيشوا بوعي وحضور في اللحظة، ويتخذوا قراراتٍ مدروسةً وهادفةً تصبّ في صالح رفاهيتهم ورفاهية كوكب الأرض .
هل الحياة سباقًا بخطّ بدايةٍ ونهاية؟
قد تتوصل أنت أيضًا عند قراءة السطور أعلاه إلى أنَّ التمهل المقصود من هذه الحركات ليس تمهّلًا مطلقًا، بل يرتكز على تعريفٍ أكثر دلالةً، بما يتيح تقديرَه ومنحه قيمة .
كارل أونوريه، أحد أشهر الكُتّاب والمتحدثين باسم حركة التمهل، تناول في عام 2004 في كتابه «في مدح التمهل» كيف يُستَخدم التمهل في مختلف مناحي الحياة التي شهدت تسارعًا كبيرًا، وبيّن التمييز بين «التمهل الجيد» و«التمهل السيئ ».

صورة: كتاب «في مدح التمهل» من تأليف كارل أونوريه
يكمن الفرق بين النوعين في أنَّ «التمهل الجيد» يعني التمهل الواعي لأداء الأعمال بالوتيرة المناسبة لتحقيق نتيجة أفضل، في حين أنَّ «التمهل السيئ» قد يكون خارجًا عن إرادتنا، مثل الوقوف في طابور طويل أو عائق مروري. وعلى الجانب الآخر، ثمة أيضًا «السرعة الجيدة» و«السرعة السيئة». فالسير بسرعة في الظروف الملائمة قد يكون ممتعًا، أما العجلة الدائمة بحيث تصبح عادةً حياتية فذلك عكس المطلوب تمامًا.
العيش بتمهل يعني أن تعيش أفضل لا أن تعيش أسرع؛ فالحركات القائمة على التمهل تطالبك بإيقاف جهاز الطيار الآلي وتولي زمام حياتك بنفسك عبر التأمل والوعي الذاتي. فالحياة ليست سباقًا بخطّ بداية ونهاية، والتمهل هو تغيير في العقلية يحتاج إلى وقت ويستمر باستمرار لأن أولوياتك تتغير مع الزمن.
ومع ازدياد تأييد هذه الفلسفة حول العالم، صار عدد أكثر من الناس يدركون اليوم أن العيش بسرعة أكبر ليس دائمًا أفضل، وظهرت انشعابات جديدة لحركة التمهل مثل السفر بتمهل، والبستنة بتمهل، والديكور الداخلي بتمهل، والتصميم بتمهل، والأزياء بتمهل، وترتيب الزهور بتمهل، وتربية الأطفال بتمهل، والتفكير بتمهل، والأخبار بتمهل، والعمل بتمهل، وغيرها من التجليّات التي تنبثق عن هذا التيار الفكري.
ولكنَّ تاريخَ ولادةِ الحركاتِ المرتبطةِ بفكرِ التمهلِ، في أيِّ صفحةٍ بالضبطٍ يردُّ؟
حركةُ الطعامِ التمهلي: رحلةُ الطعامِ من المزرعةِ إلى المائدة
عندما فتحتْ شركةُ «ماكدونالدز» في عامِ 1968 طريقَها بتمهُّلٍ متسللٍ إلى جميعِ دولِّ العالم، كان هناكَ شخصٌ واحدٌ فقط رأى في هذه العلامةِ الغذائيةِ العالميةِ—والتي تُجسِّدُ الفاست فود بالكامل—خطرًا على أهمِّ سمةٍ ثقافيةٍ وفنيةٍ في بلدهِ، وهيَ الطعام. لذلك أسَّسَ حركةَ الطعامِ التمهلي، وألقى المحاضراتِ وكتبَ المقالاتِ والكتبَ، واقفًا بكاملِ قواهِ في مواجهةِ هذا التيار.
كانَ كارلو بيتّيريني يعتقدُ أن انتشارَ الوجباتِ السريعةِ—التي تُجسِّدها «ماكدونالدز» بصورةٍ كاملة—سيُضعِفُ التراثَ الغذائيَّ الإيطاليَّ، الذي يُعدُّ أحدَ أبرزِ سماتهِ الثقافيةِ على مستوىِ العالم.

كارلُو بتريني، مُؤسِّس ومُروِّج غذاءِ التمهل
سنواتٌ طويلةٌ كانت التقاليدُ والحداثةُ تصارعُ بعضَها نظريّاً وفي فضاءِ الفكر، أما تجلِّياتُها فلم تكن موضوعَ خلافٍ. لكنَّ افتتاحَ فرعٍ جديدٍ لسلسلةِ ماكدونالدز في إيطاليا أخرج هذه الصِّراع الخفي من عمق الأفكار إلى العلن وإلى الشوارع. ففي حقيقةِ الأمر، كانَت حركةُ غذاءِ التمهل ردّ فعلٍ اجتماعيّاً على إيقاعِ الحداثة المتسارعة في حياةِ الإنسان.
وقفَ الإيطاليونَ المحتجُّون بأطباقٍ عامرةٍ من مكرونة «بيني» في يديهم أمامَ أولِ فرعٍ لماكدونالدز افتُتِحَ حديثاً في مدينةِ روما. وقد نظَّم هذا التجمعُ بتريني بنفسه، مُعبِّراً من خلاله عن اعتراضِه على القيمِ المرتبطة بالوجباتِ السريعة وكذلك على توحيدِ المعايير الغذائيَّة على المستوى العالمي. وهكذا وُلدَ ما يُعرَف اليومَ بحركةِ غذاءِ التمهل، والتي شكَّلت الأساسَ لكلِّ الحركاتِ القائمة على التمهل.

صورة: الإيطاليون المحتجون على إعادة افتتاح ماكدونالدز حاملين أطباقاً عامرةً بمعكرونة “بيني” في أيديهم
بدأت حركة غذاء التمهل كردّ فعلٍ على بروز الوجبات السريعة والعالم الذي أصبح بإمكاننا فيه أن نأكل بسرعة وبأسعار زهيدة دون أن نغادر سياراتنا أبداً، وتحولت بسرعة إلى حركةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ على مستوى العالم تهدف إلى حماية الأطعمة المحلية والثقافات والتقاليد الغذائية، وكذلك إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي من أجل نكهات موسمية متنوعة.
وقد تطورت هذه الحركة على مدى السنوات، فدعمت التقاليد الغذائية المحلية وأولت أهميةً لإنتاج الأغذية عالية الجودة في مواجهة الزراعة المصنعية الصناعية التي تسيطر على نظامنا الغذائي العالمي.
حركة سلو فود، بدعمها للحياة الواعية ومتع الطبخ والاهتمام بالتمتع بكل لحظةٍ أثناء تناول الطعام، تراها سببًا لتعزيز التواصل بين المجموعات البشرية، وبإعطائها الاحترام لمتعة الطبخ تخلق ارتباطًا أعمق بعملية إنتاج الطعام. كما تشجع سلو فود، عبر التمهّل في التركيز الحسي، الأفراد على تذوق كل لقمةٍ والامتنان لرحلة الطعام من المزرعة إلى المائدة. وتتجاوز هذه المقاربة مجرد الوجبة، لتؤسس أسلوب حياة أكثر معنىً ورضا.
ويقول أتباع غذاء التمهل إن المتعة والعدالة تكمنان في هذا الاعتقاد البسيط بأن لكل المجتمعات الحق في الاستمتاع بالأطعمة الشهية والصحية، التي تُنتَج عبر ممارسات زراعية أخلاقية صحيحة
(بالترويج للبدائل الطبيعية بدل المواد الكيميائية الضارة)، والتي تتوافق مع هويتهم وثقافتهم وتاريخهم.
الفكرةُ كلُّها في غذاءِ التمهّل أنّ الطعامَ هو أكثرُ من مجرّد ما نأكله. تقولُ وثيقةُ حركةِ سلو فود: «الطعامُ الجيدُ حقٌّ من حقوق الإنسان».
لم تتوقَّف حركةُ غذاءِ التمهّل أو سلو فود عند ذلك الاعتراض قربَ سلالم إسبانيا في إيطاليا، بل واصلت نموَّها وتطوُّرَها، وأصبحت اليوم حركةً عالميّةً لها أنصارٌ نشطون في ١٦٠ دولة حول العالم، ينشطون من أجل العدالة الغذائيّة والصحّة الغذائيّة والحفاظ على التقاليد الغذائيّة. حتى إنّها شاركت في تخطيط مؤتمر تغيُّر المناخ للأمم المتّحدة، ولها مندوبون في اتفاقية التنوع البيولوجي للأمم المتّحدة، وقد امتدَّ تأثيرُها الآن إلى حدٍّ جعلها، بالاعتماد على كثرة أعضائها في شتّى أنحاء العالم، ترفض الدعوةَ لحضور قمة نظم الأغذية للأمم المتّحدة.

صورة: الرمز الحلزوني (شعار) العالمي لحركة غذاء التمهل
الفن والتمهل أو التمهل في الفن
كلُّ ما قيل كان رحلةً انطلقت من الفكرة والمعنى وتاريخ حركة التمهل، والآن نلقي نظرةً على الأعمال التي تركت فيها هذه الحركة أثرها على الفن والمصنفات الفنية.
التمهل في الفن أكثر تعقيدًا بعض الشيء مقارنةً بحركات التمهل الأخرى. فهذه المقاربة في الفن ترتبط ارتباطًا عميقًا بالفلسفة وعلم النفس والتاريخ.
ما الذي يربطُ عملاً فنّياً بحركة التمهل؟ هل هو العمل الذي شكَّل فيه عنصر التمهل جزءًا من عملية الإبداع؟ أم العمل الذي يدعوكم إلى التمهل والتأنّي؟ أم العمل الذي يعتمد فهم رسالته الفنية على مرور الزمن؟ أم أنَّ تجربتنا كمشاهدين عند تفاعلنا مع العمل هي التي تربطه بحركة الفن التمهلي؟
استنادًا إلى أيٍّ من هذه التفسيرات، تختلف مجموعات الأعمال الفنية المصنفة ضمن فن التمهل؛ فهناك أعمال تُبدَع بتمهل، وأعمال تُدعو إلى التمهل والصبر، وأعمال تبلغ كمالها الفني عبر مرور الزمن، وأعمال يتطلب فهمها من المشاهد تخصيص وقت أطول.
يتبعُ فنَّانو التمهلُ نهجاً مختلفاً عن هذه التفسيرات رغم ارتباطها جميعاً ببعضها؛ فهم يدعونك إلى «متعةِ المشاهدة». تقوم حركةُ فنِّ التمهل على الفكرةِ القائلةِ بأنه إذا أردنا حقّاً أن نتعرَّف إلى عملٍ فنِّيٍّ، فلا بدّ من أن نقضي معه وقتاً كافياً. كلُّ عملٍ فنِّيٍّ يستحقُّ أن يُشاهَد دون استعجالٍ، وفي سياقٍ تأنيٍ، وبالزمنِ الذي يليقُ به.

تشيرُ الإحصاءاتُ العلميةُ إلى أن كلَّ عملٍ فنِّيٍّ في صالةٍ أو متحفٍ لا يحظى أمامه الزائرُ سوى بثمانِ ثوانٍ من المشاهدة، بينما تطالبُ حركةُ فنِّ التمهل بأن تُمدَّ هذه الثماني ثوانٍ إلى خمسِ دقائق، أو عشرِ دقائق، أو خمسةَ عشرَ دقيقةً، أو حتى إلى نصفِ يومٍ كاملٍ من التأمُّل والتمتع .
تشكّلت حركة فنِّ التمهّل عام 2008 أثناء زيارة أحد أساتذة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد لمتحف اليهود؛ إذ قرر زوار ذلك اليوم، بدلاً من مشاهدة جميع الأعمال الفنية في الوقت المتاح لهم وكأنهم يتسابقون مع الزمن، اختيار عملين فنيين فقط وتخصيص كامل الوقت المتاح لديهم لفهم تلك الأعمال بشكل أفضل.
ويقول علماء النفس إن التركيز على عمل فني واحد يمنحك فهماً مختلفاً تماماً عما ستتلقاه عينك مروراً على العمل في نظرةٍ سريعة.

في الواقع، تتناول حركة فنِّ التمهل سؤالاً: ماذا يحدث حين نخصِّص وقتًا للتعرّف إلى عملٍ فنِّيٍّ بكل تفاصيله؟ والإجابة التي تُقدَّم هي: إنها حقيقةٌ ثابتةٌ، فكلَّما أطلتَ النظرَ، رأيتَ أكثر.
يمكنُ تعريف “النظرُ المتأني” بطرقٍ مختلفةٍ، لكنه في جوهره يعني تخصيصَ الوقت للمشاهدة الحقيقية والتواصل مع الشيء؛ فهذا لا يقتصر على مقدار الوقت ذاته فحسب، بل على الاعتقاد بأنَّ كلَّ الاكتشافات ينبع من النظر. إنه نظرٌ عقلانيٌّ وواعيٌّ، يتطلّب حضورَ القلب والصبرَ والرغبةَ في الغوص في فعل المشاهدة، لتتجاوزَ الانطباعاتِ الأولى وتتعمّق أكثر فيما تراه، وتلتقط تفاصيلَ غالبًا ما تُفوَّت.
كتبَت شاري تِيشمان في كتابها «النظرُ المتؤني» (2017) أن تخصيصَ الوقت للغوص الحقيقي في تفاصيل موضوعات متنوِّعة، من الفنون البصرية إلى الحياة اليومية، يمكن أن يفتحَ قفلًا ثمينًا؛ وهو فرصٌ معرفيةٌ للتعلّم الموحى والتفكّر النقدي.
في نهج فنِّ التمهل، يعني التمهل في المشاهدة أن تكون انتقائيًّا. فإذا خصَّصتَ خمس عشرة دقيقةً لمشاهدة جميع الأعمال الفنية البالغ عددها 78,000 في مجموعةٍ ما، فستحتاجُ لأكثر من أربع سنواتٍ، بمعدل 12 ساعةً يوميًّا، لتُكمِلَ مشاهدةَ كلِّ تلك الأعمال الفنية. المهمُّ هو أن تختارَ العملَ الذي تنجذبُ إليه، أو يجذبك، أو يخيِّبُ آمالكَ ويثيرُ مشاعركَ، بحيث تُفضِّلُ قضاءَ وقتك في التعرُّف الحقيقي على عددٍ محدودٍ من الأعمال الفنية بدلَ المرور العابر على الجميع.
وبهذه الطريقة، تحوَّلَ ذلك الاختبارُ في عام 2008 في متحف اليهود إلى حركةٍ رسميةٍ عام 2010 كواحدةٍ من حركات التمهل، وأصبحَ منذ ذلك الحين جزءًا لا يتجزأ من برامج المتاحفِ والمعارضِ حول العالم، مع أكثر من 1500 فعاليةٍ سنويةٍ في مختلف الدول.
يومُ فنِّ التمهل هو حدثٌ عالميٌّ تُركِّز مهمَّته البسيطة على مساعدةِ أكبر عددٍ من الأشخاص على اكتشافِ متعةِ مشاهدة الفنِّ وحبِّه.

ولكن لماذا التمهّل؟ حين يُمعن الناس النظر بتمهّل في عملٍ فنّي، يصلون إلى الاكتشاف. وأهمُّ اكتشافٍ يحرزونه هو إمكانية مشاهدة الفنِّ وتجرُبته دون الحاجة إلى خبيرٍ أو حتى إلى تخصصٍ أكاديميّ. وهذا اكتشافٌ مثيرٌ يطلق العنان للإبداع ويسهم في زيادة عدد محبّي الفنِّ في العالم.
وقد أُطلقت الفعاليةُ الدوليةُ «يوم فنِّ التمهّل» لتشجيع جميع الجمهور والمهتمّين بالفن على أن يمضوا وقتًا أطول قليلًا في مشاهدة الأعمال الفنية، على أمل ألا يزداد إدراكُنا فحسب، بل أن نمعن أيضًا في تفاصيل الأعمال. وفي الوقت ذاته، يُعدّ الإبطاءُ والحضورُ الذهنيّ أمرًا صعبًا في حياتنا المزدحمة، لكنه في الوقت نفسه ضروريٌّ جدًا لراحتنا وطمأنينتنا.
موعظةٌ حكيمةٌ في تقاليدنا
ما تدعوكم إليه حركةُ التمهل ليس جديدًا أو غريبًا، وإن كانت الحياةُ الحديثة قد أجبرتنا على نسيانه؛ إنه أمرٌ يقترب من طبيعتنا الإنسانية إلى حدٍّ بعيد. قد لا تلاحظون حركةَ الشمس التمهلية في السماء، لكنها تدور، ولا ندرك ذلك إلا عند غروبها، وكذلك حركةَ النجوم في الليل، وذهابَ وإيابَ القمر، ونموَّ أطفالكم، وشيخوخةَ أحبائكم حين تتصفّحون ألبومات الصور القديمة… كلُّ هذه الأحداث تدور حولنا تدريجيًا في هذه الدنيا، ولا تظهر أمام أعيننا إلا حين نتوقّف لنتأمّل ما يحدث في محيطنا في مسار التكوُّن.
وعلى الرغم من أن فنَّ التمهل يُعدُّ صوتًا جديدًا في العالم الحديث، إلا أنه يحمل ذاتَ الرسالة القديمة في تقاليدنا، التي تدعونا إلى إدراك الوجود والعالم وذواتنا، عبر الإبطاء في سير الحياة والتأمّل في عالمنا الداخلي والخارجي.