كبرى أحمدي
21 أيار 2025 / قراءة: 4 دقيقة
ملف الفن والتمهل

مقالة: التمهل والنحت

النحت هو تفاعل بين يد الفنان النحات وخياله وأي مادة يمكن تشكيلها أو نحتها أو استقبال أنواع التجسيمات والتركيبات. فابتداءً من أشدّ المواد صلابةً كالأخشاب والأحجار والزجاج أو المعادن، ووصولاً إلى أرقّها مثل الورق والأقمشة والخيوط وأنواع المواد الدقيقة والخشنة، يمكن لكلٍّ منها أن يكون مكمّلاً في بناء التمثال .

مقالة: التمهل والنحت

مجلة ميدان أزادي: في ملف «الفن والتمهل» تناولنا التمهل في فن النحت. فيما يلي نصّ لمذكرة كتبتها كبري أحمدي – الفنانة النحاتة –:

فالشمّ يفضي إلى عبقرية اليد؛
ومن ثمّ، سواءٌ كان عجن قطعةٍ من الطين باليد
أو ملاطفةُ زهرةٍ بيدٍ واحدة.

جبران خليل جبران في كتابه «النبي» قال:
"اعمل كما لو أن جميع الطاهرين والقديسين في العالم يراقبون عملك، وكأنك تعمل من أجل حبيبتك."

والفنان النحات لا يحتاج أكثر من الدخول إلى وادي الإبداع بإيقاع التمهل وبمحبة، والتوقّف عند كل مرحلة من مراحل البناء والتشكيل. فإذا استطاع الفنان في هذا المسلك أن ينظر بالتمهل ويفهم بالتمهل ويخلق بالتمهل، فقد أتمّ رواية الخلق على أكمل وجه.

النحت هو تفاعل بين يد الفنان النحات وخياله وأي مادة يمكن تشكيلها أو نحتها أو استقبال أنواع التجسيم والتركيبات. من أشدّ المواد صلابةً كالخشب والحجر والزجاج أو المعادن، إلى أرقِّها مثل الورق والأقمشة والخيوط وأنواع المواد الدقيقة والخشنة، يمكن لكل منها أن يكون مكمِّلاً في بناء التمثال.

في هذا الفن، يستخدم النحات أدوات ملائمة لمخرجات العمل—مثل الإزميل، والمواد اللاصقة، والألوان—وباستحضار مختلف التقنيات الإبداعية يجسّد خياله بأبهى صورة ممكنة. فهو ينحت، ويخرِش، ويضيف، ويقلّص، ويمتحن كلّ حركة قبل تنفيذها مراتٍ ومرات.

وتوظيف أي مادة، سواء بصورة منفردة أو في توليفاتٍ مركبة، ابتداءً من التصميم ومرحلة الشروع في الصُنع مروراً بمرحلة التلوين والتشطيب النهائي، جميعها تهدف إلى رفع جودة العمل وتعزيز تقنيات الجماليات النهائية، ويستلزم ذلك وقتاً ورفقاً وعملية تمهّل في إنجاز المشروع.

فعلى سبيل المثال، في صنع تمثالٍ ما، يحتاج الخشب والحجر—بفضل صلابتهما وقوتهما—إلى نحتٍ دقيقٍ وقوّةٍ محسوبة. أما الطين فيتطلّب خبزاً في الفرن، والحديد والزجاج يحتاجان إلى تسخينٍ وتشكيلٍ بالحرارة، بينما يتطلب الورق والأقمشة—نظراً للرقة والدقّة في نسيجها—صبراً وملاطفةً في التشكيل والدمج مع مختلف أنواع المواد اللاصقة لضمان المتانة وطول العمر.


منظرةٌ إلى رؤوس أعمدة سِفنكس تخت جمشید (والسِفنکس هي التماثيل المصنوعة من دمج أجساد عدة حيوانات مختلفة) 

على أيِّ حال، إنَّ الاستفادةَ الإبداعيةَ من المواد والظواهر المفاجئة، وبناءَ الأشكال والتراكيب والوصلات بذكاء، ثمَّ إخراج العمل النهائي، إذا جرى في سياقٍ من التمهل والإبداع، فإنَّه يؤدي إلى ابتكار أعمالٍ فريدةٍ مؤثرةٍ رفيعةٍ وأصيلة .

إنَّه لأمرٍ مدهشٍ أن يعمل الإنسانُ في مقام خالقٍ صَغير، وأيُّ خالقٍ أبلغُ من عاشقٍ يفشي بسرِّ عمله بنعومةٍ وبالتمهل؟

إنَّه سرٌّ أخبرك به في أُذُنك :

في عالمٍ توافقت فيه كلُّ حركةٍ وعلاقةٍ مع السرعةِ والانطلاقة، كن مثلَ الفراشة التي تصادق دُودةَ الثُّعَيب .

منَ الواضح أنَّ في هذا الفنِّ يزدهرُ العملُ بالتَّمهل. ولكنَّ نقله إلى المتلقِّي يحتاج أيضًا إلى رفقٍ وعناية؛ تمامًا كالهمسةِ السرِّية التي تكون قيمتها عند أُذُنِ السامع المتلهف أعظمَ بكثيرٍ من الصرخات العالية وفهمِها .

المتلقي يُسلم قلبه لرواية عبقرية اليد، يستقرُّ في منحنيات وتعقيدات العمل، وفي انتقاله إلى هذا التمهل يقتنص متعة مشاهدة العمل وروائع تفاصيله. ينسج خياله ويطير في أفق السرد، وكما القائد المبصر، يُنقل هذه الرؤية والرسالة إلى الآخرين. يا لها من دارةٍ مدهشةٍ لا تنضب من التفتُّح والانبثاق!


تمثال «بورتريه الآنسة بوغاني» للكونستانتين برانكوزي

في أسرِّ الاستعجال

في عصرنا الحاضر، إذ نتعرَّض لوابلٍ سريعٍ من الأفكار والبيانات، صارت مصاحبةُ التمهل نادرةً وافتُقِدتْ في تعاوننا اليومي وحياتنا المشتركة .

النحت، شأنه شأن كثير من الفنون، لم يعد غالباً يقوم على خلق قطعٍ فريدةٍ بلمسة الحِرفي وطمأنينة يديه، بل بات يتم إنتاجه بكثافة عبر القوالب والآلات. يمكن نقد هذا التسارع من خلال اتجاهين: الاتجاه الإيجابي، وهو تمكين شريحة أوسع من الناس من التمتع بالتماثيل المَصنَّعة آلياً وفي المقابل الحد من الفجوات الاحتكارية في البيع والمزادات الضخمة للأعمال الفنية؛ والاتجاه السلبي، وهو تفكك ذائقة الجمهور وانجرافه نحو تنوعٍ غير منطقيٍ وسريع. صحيح أن هذه الإنتاجات تشكّل استجابةً اقتصادية مناسبة لحاجات العامة، لكنها تفتقر إلى رقة التفاصيل اليدوية وإلى توظيف موادٍ متنوعة الأنسجة والفريدة في كل قطعة .

قد يكون الشعور بالحاجة إلى هذه المنتجات لحظياً وفورياً عبر تماس بصري ورغبة آنية، لكن العمل القائم على العملية يحمل قصة، وقد خُلق بالتمهل والتفكير عبر الزمن، فيدخل بلطفٍ ومن عمق الخيال؛ ولا شك أن كل ما ينطلق من بوابة الخيال يكون أرقى وأكثر بقاءً .

في النهاية، وفي عالم اليوم، ثمة دائماً نوع من الفراغ العاطفي والعطش الداخلي نحو المعنى والمحتوى، ما يؤدي إلى خلق القيمة .


تمثال «العذراء الثكلى» أو بالإيطالية «بييتا» للميكيلانجيلو

رسل العصور الغابرة

كان الإنسان الأول يرى في النحت ليس مجرد فناً، بل طقساً وضرورةً لاستمرار البقاء. بالنسبة إليهم، كان النحت كلاماً وخيطَ اتصالٍ بينهم وبين كل قوى الطبيعة؛ فنٌ يُمكِّنهم من فهم أفضل لأنفسهم وبيئتهم ومن حولهم .


تمثال نساء بفر، من العصر الحجريّ

أول التماثيل التي صنعها الإنسان تعود إلى العصر الحجري، أي إلى ما يقرب من 230,000 سنة قبل الميلاد. فقد كان تصنيع التماثيل الصغيرة الممتلئة التي ترمز إلى الخصوبة، وأنواع النقوش المذهلة داخل الكهوف وعلى الصخر، بمثابة نوع من التعايش الإبداعي بين الإنسان وعالمه المحيط. ومع مرور الزمن، وفي مختلف بقاع هذا الجغرافيا القديم، أضفى الإنسان على هذا الطقس الفني فخامةً ورونقاً؛ فابتكر أنواعاً من الآلهة، وتماثيلٍ هجينَةٍ بين الإنسان والحيوان، أو مجسماتٍ مصوِّرةٍ لحياة الفلاحة والرعي اليومية .

في خَلقِه العميقِ المُمتد بالتمهل، يحملُ الإنسانُ رحلةً قديمةً دقيقةً. إذا أعمقنا النظر في هذه الرحلة المفعمة بالأسرار، سنشعر بمغامرةٍ صغيرةٍ أمام الجسد الحجري الضخم لبوذا، الذي بدأ راهبٌ بوذي يُدعى هاي تونغ بنحتِه في الصين. ثم ننطلق في رحلةٍ غامضةٍ صوب الزقورات والمعابد الروحية في الشرق، ونلتقي بالأسفنكسات الهخامنشية المدهشة، وننساب في الهيئة الحالمة لآلهة البرونز المسْبوكة المفعمة بالسحر .

وفي سياقٍ ممتع، نجلس عند قدمي تمثال «باکره سوگوار» الذي أبدعه ميكلانجيلو، ونلمس—كمستكشفين شغوفين—عجائبَ ومعانيَ تماثيله المنحوتة الرخامية. ثم ننتقل إلى عالم دوناتيلو المثير، وفي التجريد الهادئ لتمثال «دوشیزه پوگانی» للبرانكوزي الروماني، نكتشف مفاهيم جديدة في فهم الفن .


تمثال بوذا العظيم الواقع في مدينة ليشان الصينية

ودِيعةٌ من الخالق

إنَّ النبوغَ الحقيقيَّ يكمن في أن نرتقي خطوةً تلو الأخرى في تألُّق واتصال فنِّ الخلْق. فكل صباحٍ نفتح فيه أعيننا نكون الإنسانَ الأول، وكل لحظةٍ نتأمل فيها في الفعل الخَلَّاق نصبح الإنسانَ الكامل. والأملُ العظيمُ أن نعتبرَ كلَّ هذا الاكتشافَ والإنعكاسَ والسيرَ والسلوكَ شعاعًا صغيرًا وخَيطًا رفيعًا من النور أمامَ الضياء العظيم والباهر والخلقِ الفذِّ لخالقنا الخلَّاق .

حين رأيتُ التمهلَ والألم،
بلغتُ في هذا الزمان سفحَ اللآلئ .




الصور المرفقة

  • آرائكم تهمنا
  • لن يتم نشر الرسائل التي تحتوي على قذف أو تشهير!

قد تكون الحاجة إلى هذه المنتجات لحظية، ناشئة فقط عن تواصل بصري أو رغبة آنية، لكن العمل القائم على العملية، له حكاية، ويُخلق مع مرور الزمن، بتمهلٍ وتفكّر، فيدخل بهدوء ومن بوابة الخيال؛ ولا شك أن كل دخولٍ يأتي من بوابة الخيال، يكون أقرب إلى الذوق، أبقى، وأعزّ.

فعلى سبيل المثال، في عملية صنع التمثال، فإن الحجر والخشب، بسبب صلابتهما، يحتاجان إلى نحت قوي لكن مدروس. أما الطين، فيحتاج إلى خبزٍ في الفرن، والحديد والزجاج يحتاجان إلى التسخين والتشكيل، وأما الورق والقماش، وبسبب ما فيهما من ليونة ورقة في الملمس والبنية، فهما بحاجة إلى صبر وملاينة في التشكيل، وإلى دمجهما بأنواع مختلفة من المواد اللاصقة لتحقيق مزيد من المتانة والثبات.