مينو رضايي
28 أيار 2025 / قراءة: 15 دقيقة
ملف الفن والتمهل

التمهّل وتصميم الأزياء

لقد كان للتّحوّل الصناعيّ أثرٌ بالغ الأهمّية على صناعة الأزياء، إذ أدّى إلى تعميم مفهوم «الموضة»؛ أي تبنّيها كجزء من أسلوب حياة جميع شرائح المجتمع وليس حصرًا بين الأثرياء والنبلاء. وقد أدّى هذا التعميم إلى ارتفاع هائل في إنتاج الملابس وتراجعٍ كبيرٍ في أسعارها. ولم يعد يُنظر إلى تصميم الملابس وإنتاجها بوصفهما مجرّد صناعة فحسب، بل صار يُعتَبران شكلاً من أشكال الفنّ. ولكن، متى وكيف حدث ذلك؟

5
التمهّل وتصميم الأزياء

مجلة ميدان آزادي : في أعدادها الأخيرة من ملف «الفنّ والتمهّل»، انطلقت مينو رضائي في بحثٍ حول تأثير التمهّل والعجلة على مسار تطوّر تصميم الأزياء عبر ثقافاتٍ متنوّعة. اطلع على هذه المقالة فيما يلي:

تاريخٌ موجزٌ للغاية للملابس

كان البشر يصنعون ملابسهم الأولى من النباتات وجلود الحيوانات، وبعد مرور مرحلة انتقالية، كانت بلا شك شاقةً وتستغرق وقتاً طويلاً، تمكنوا خلالها من تحويل النباتات إلى ألياف ونسج أقمشة أولية، كانت تُثبَت بواسطة شال أو حزام حول الخصر.
لاحقاً، اكتشف الإنسان خياطة الأقمشة مع بعضها، وينسبون أول خياطة إلى النبي إدريس.
إلا أن مراحل إعداد الملابس عبر التاريخ حتى قرب الثورة الصناعية كانت شاقة وتستغرق وقتاً طويلاً؛ فقد شملت الحصول على الألياف، وجلب النباتات الصبغية كالغانطة والوسمة، وصبغ الألياف، ونسج الأقمشة، وخياطة الأقمشة يدوياً بأدوات بدائية، وأخيراً زينة الملابس التي كانت تكتسي أهميةً مساويةً لأهمية الملابس نفسها، وحتى نقوش زينة الملابس تظهر في رسومات ساكني الكهوف، وكان كل ذلك ينجَز يدوياً.
وكانت هذه المشقات تمنع إنتاج الملابس بكميات كبيرة، فكان لكل فرد عددٌ محدودٌ من الملابس، ولم تكن الملابس سلعةً استهلاكية تُرمى عند تلفها، بل تُصلح عند الحاجة.
لكن الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر أدت إلى ازدهارٍ كبيرٍ في صناعة النسيج، ومع أتمتة إنتاج الأقمشة خُففت بعض صعوبات إنتاج الملابس. ومن ناحية أخرى، ساهم اختراع ماكينة الخياطة بشكلٍ كبيرٍ في تسريع إنتاج الملابس. أما الألياف والألوان الصناعية فقد جاءت في القرن العشرين لتدعم صناعة الملابس.
ولكن أحد التأثيرات المهمة للثورة الصناعية على صناعة الملابس كان تعميم «الموضة»؛ فالتعميم يعني أنها أصبحت جزءاً من أسلوب حياة جميع فئات المجتمع وليس مقصورةً على الأثرياء والنبلاء، وأدى هذا الانتشار إلى زيادةٍ هائلةٍ في إنتاج الملابس وتراجعٍ كبيرٍ في أسعارها. ولم يعد يُنظر إلى تصميم وإنتاج الملابس كصناعةٍ فحسب، بل اعتُبر فناً.
ولكن، متى وكيف؟


تمثال صغير مركب، باكترين (شمال أفغانستان)، من أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد، إيلام، من كتاب «ثمانية آلاف عام من تاريخ لباس الشعوب الإيرانية» تأليف مهرآسا غيبي.

تصميم الأزياء باعتباره فنّاً

يشترك إنتاج الثوب، على غرار سائر المنتجات الفنية، في مراحلٍ مثل توليد الفكرة، والتصميم، والتنفيذ، لكنّ الذين شاركوا في إعداد الثياب حتى ما قبل الثورة الصناعية كانوا يُعدّون حرفيين أكثر منه فنّانين؛ مثل نسّاجي الأقمشة والصباغين والغزّالين... وحتى اليوم قد يعجز الكثيرون عن تحديد اللحظة الدقيقة التي اعترف فيها بتصميم الأزياء والموضة كفرعٍ فني، لأنّ هذا الاعتراف تمّ ببطء وعلى مدى قرونٍ طويلة. ومع ذلك، ثمّة عوامل أثّرت في قبول تصميم الأزياء والموضة كفرعٍ من الفنون، وسنستعرض هذه العوامل بإيجاز فيما يلي.

تصميم الأزياء باعتباره فناً في الشرق

إنّ الآثار القديمة المنتمية إلى الألفيات التي سبقت الميلاد هي كلُّ ما لدينا من مصادرٍ توفر المعلومات حول الملبس وتاريخ الملابس، وتؤكّد أنّ ملابس الشرق (آسيا) في جميع العصور اتّسمت بالتنوّع والفلسفة والتعقّدات الخاصة بها. ويمكن عزو هذا التنوّع إلى ظهور جميع الأديان في آسيا، وكونها موطناً لإمبراطورياتٍ عظمى مثل إيران والصين واليابان والدولة العثمانية، وإلى كونها مهد حضاراتٍ كالبابلية وبلاد ما بين النهرين، وإلى اتّساعها الجغرافي وتعدّد مناخاتها وأقوامها وثقافاتها.


النقش البارز لامرأة واقفة على كأس فضي من مرودشت، من عام 3200 قبل الميلاد.

من جهةٍ أخرى، كان لطريق الحرير، الذي لم يربط آسيا فحسب بل ربط شطريّ العالم، دورٌ بالغٌ في التأثير على الملبس؛ إذ إنَّ المسافرين وسكان المناطق المجاورة لطريق الحرير كانوا يتأثرون، ولو إلى حدٍّ ما، بثقافاتٍ أخرى، وكان للملابس نصيبٌ من هذا التأثير. وحتى في حكايات سعدي ذُكرت تجارة بردِ اليمني وديباج الروم. وكان استعمال الحرير الصيني في الثياب، منذ العصور القديمة، علامةً على الثروة والمرتبة الاجتماعية العالية، سواء في الشرق أو في الغرب. ومع ذلك، فقد فقدت الغالبية العظمى من تنوّع ملابس الشعوب أو اختفت تمامًا، ولم يتبقَّ من آثارها اليوم إلا بضعة دلالاتٍ، مثلاً في الاحتفالات الرسمية. وفيما يلي نُعالج موضوع تلاشي تنوّع الملبس في حضارتين رئيسيتين في الشرق، وهما الصين وإيران.

الصين
إلى جانب الإنتاج الكثيف للحرير في الصين، تعترف الدولة بأكثر من ستّ وخمسين قومية. لذا كان تنوّع الألبسة التقليدية فيها هائلاً إلى درجة أنه لا يمكن الاطّلاع على معظم هذه الأشكال إلا في مكان كبير مثل «متحف الأزياء التقليدية الصينية». ولكن مع ظهور ماو وتطبيقه إصلاحاتٍ شملت توحيد زيّ الشعب، تحوّل زيّ سكان الصين تدريجيّاً إلى النمط الحديث أو الغربي. وطبعاً لا تزال الصين تحتفظ بمكانتها كقطبٍ للإنتاج في صناعات النسيج والملابس، لكن نمط الحياة المعاصر، الذي يولي عمليّة الاستخدام وسهولة كلّ شيء—including الملابس—أهميةً أكبر، أدّى إلى أن تُنقل كلُّ الروائع الجمالية لأزياء أقوام الصين إلى المتاحف وألا تُعتمد في الحياة اليوميّة.


نساء بلاط الصين يرتدين أوشحةً منقوشة وأزياء هانفو التقليدية، القرن السابع

إيران
في إيران أيضاً، كان تيّار الموضة يبدأ من البلاط الملكي ثم ينتشر بين الناس. وكلّما كانت سلالةٌ ما أكثر ميلًا إلى حبّ الفنون، كان تنوع النسيج والصناعات النسيجية وتصميم الملابس فيها أوسع وأكثر فخامة. فمثلاً، في عهد السلالة الصفوية التي دعمت كلّ الفنون، كانت الألبسة والأقمشة وزخارفها ذات قيمةٍ ثمينة وجليلة. ولكن الفوضى التي سادت في سنوات حكم هذه السلالة الأخيرة أدّت إلى تراجعٍ شامل في كلّ شيء.


كليجه (سترة حريرية)، الكَرديّ والكاتبِيّ (البالابوش)، الحقبة الصفوية، منسوبة إلى محمدزمان .

عندما تولى القاجار الحكم، كان يعلم أنّ الفنّ يُعزّز هيبة سلالتهم الملكية. ولذلك كانت حالة صناعة النسيج والملابس في إيران من ناحية الإنتاج المحلي وارتداء الملابس المتوافقة مع الثقافة المحلية جيدة. وعلى الرغم من أن بعض الأحداث، مثل وجود نساءٍ جورجيات في بلاط الصفويين، كان لها تأثير على بعض الألبسة الإيرانية، إلا أنّ تيّار الموضة بالمفهوم الحديث انطلق في عهد القاجار ومع سفرات الرجال والنساء الأوربيين من هذه الأسرة .

ربّما سمعتم أو قرأتم أنّ ناصرالدين شاه، بعد مشاهدته عرض الباليه، أصدر قرارًا بتقصير وتثويم تنانير النساء في الداخل، لكن الحقيقة أنّ الغزو الثقافي في الملبس خلال عهد القاجار كان أعمق وأرسخ من مجرد تقصير التنانير.

في عصر القاجار، ساد أمنٌ نسبيّ في البلاد، وكانت صناعات النسيج تمرّ بأيامٍ مزدهرة خصوصًا في يزد وكرمان وأصفهان وكاشان، لكن مع اجتذاب نفوذ الغربيين إلى الشرق، تلاشى هذا الاستقرار شيئًا فشيئًا! وأثمر التواصل مع الغرب عن تغييرٍ في تقنيات النسج اليدوي وإنتاج الملابس.

ومن ناحية أخرى، فتحت حالة الاستسلام الغريبة لدى بلاط القاجار الباب أمام استيراد كافة أنواع المنسوجات الأوروبية. فقد فقدت وشاحُ كرمان، الذي كانت تُفصَّل منه القبا والخلع وغيرها، رونقَه أمام وشاح كشمير، وكما يقول مؤلف كتاب «فنون إيران»:
«شال كشمير أطاح بنظيره الكرماني من السوق، ولم يترك مطبوعات الهند مجالًا لإبراز فن القلمكار الإيراني.»

وانخفض عدد ورش النسج في كاشان من ثمانية آلاف إلى ثمانمائة، وتوقفت تقريبًا كلّ ورش صناعة الحرير إلا في بعض القرى والقبائل القليلة. وتسرّع انهيار صناعة النسيج الإيرانية بعد ناصرالدين شاه أكثر، وبحسب المصادر لم يُنسَج قماش الزربفت بعد وفاته.

ومع ذلك، ظلّ همُّ استخدام المنسوجات الوطنية هاجسًا لدى الوطنيين؛ فإذا استعرضت مقالات الصحف في عصر القاجار، ستجد أن إحدى أهمّ سبل مقاومة النفوذ الأجنبي كانت ارتداء الملابس المحلية!

في كتاب «سياحة الشرق»، وهو سجلّ رحلة آقا نجفي قوچاني لطلب العلم إلى أصفهان والنجف وغيرها في فترة القاجار، ذُكِر :

في كتاب «سياحة الشرق» :
«في منزل قرب حدود أصفهان أقمنَا ليلتنا ولم ندرك في أيِّ نقطةٍ عدنا فيها إلى الطريق الرئيسي لأصفهان، كلُّ ما نعلمه أننا لم نشاهد كوپا ونائين، اللتين تقعان بين أصفهان ويزد وتعتبران مكانَ نسج أجود عبايات إيران، طوال مسارنا» .


أنواعُ الشادور (الغطاء) لدى النساء الإيرانيّات، من كتاب «ثمانيةُ آلاف عامٍ من تاريخ لباسِ الأقوامِ الإيرانية» تأليفُ مهرآسا غيبي

في بداية عهد پهلوی وعند لقاء رضاشاه بعائلات الحكم في أفغانستان وتركيا، صدرت قوانينٌ لتوحيد الملابس على النمط الغربي ولفرض التبرّج الإجباري. وقد كانت هذه القوانين وهذه المُقارَبات، التي استمر بعضها بصورة ما في عهد پهلوی الثاني، بمثابة الضربة القاضية لملابس أقوام إيران. وفي الواقع، كان في عهد پهلوی كلٌّ من البلاط والخواصّ والإعلام الفاعلون الرئيسيون في صياغة الموضة؛ وكانت الموضة الغربية هي المسيطرة. وبعد الثورة، واجه فنّ تصميم الموضة والملابس تحدياتٍ أخرى. ومع ذلك، كانت المجلات والفعاليات المتعلِّقة بالموضة والملابس في إيران نشطةً حتى اندلاع الحرب المفروضة. ولكنّ ظروف الحرب أثّرت بشدّةٍ على هذه الأنشطة. وما بعد الحرب، لا تزال قضية الموضة في إيران تصارع تحدياتٍ مثل عدم الاعتراف بالقطاع الخاص النشيط في هذا المجال، والسلوكيات التقريرية تحت ذريعة القيود العرفية والشرعية والقانونية .

تصميم الأزياء باعتباره فنّاً في الغرب

الحركات المتنوعة في العصور الوسطى وعصر النهضة والثورة الصناعية والحرب العالمية :

بجانب ما ذُكر سابقًا عن تأثيرات الثورة الصناعية على الموضة والملبس، لا بدَّ من الإضافة بأن الموضة والملابس، سواء في العصور الوسطى أو في عصر النهضة، كانتا مسألة مختلفًا تمامًا عمّا هما عليه اليوم. إنّ انهيار الإمبراطورية الرومانية، والحروب الصليبية، وظهور طبقةٍ من التجّار الأثرياء مقابل الإقطاعيين، وتوسع المدن في العصور الوسطى، كانت من الأسباب التي أدّت إلى تحوّل أسلوب اللباس من النمط البسيط والقروي إلى نمطٍ أكثر فخامة وتنوّعًا .


الزي في العصور الوسطى في لوحة «تقديم الفلسفة للعلوم السبعة الأساسية إلى بوئيتيوس»، المنسوبة إلى الأستاذ كويتيڤي، نحو 1460–1470 ميلادية 

في عصر النهضة ازدادت هذه الظاهرة قوةً، إذ ساد اتّجاهٌ نحو الإفراط في إحياء الفنّ والثقافة، وبالطبع التكلّف والتفاخر. ولذلك كانت أزياء هذه الحقبة في غاية التعقيد، إذ كان يُستخدم لكل شخص قطعٌ عديدة من الثياب، بكمٍّ أكبر من الأقمشة وزخارف براقة وفاخرة. وكان ارتداء طبقاتٍ متعددة من الملابس فوق بعض يزيد من ثقل الثوب ويقيّد الحركة، والأهمّ أنّه كان يستلزم وقتًا وجهدًا كبيرين للانتعال والخلع. أضف إلى ذلك الزخارف الحجرية والمعدنية، والإكسسوارات المصاحبة مثل العصَبة على الرأس والقفّازات وغطاء الأكمام والياقات العالية جدًا والجوارب الشبيهة بالأحذية، جميعها كانت تثقل كاهل الزيّ وتحدّ من حركة مرتديها. ولا ننسى أهمية المجوهرات والباروكات (الباروكه)، التي لعبت دورًا بارزًا في تعقيد الموضة في تلك الفترة .

هناك نقطتان جديرتان بالذكر في موضة عصر النهضة: الأولى استخدام الثياب كوسيلةٍ لبيان الانتماء إلى طبقة اجتماعية معيّنة؛ والثانية زيادة الوعي العامّ بالفنّ، وهو ما أسهم بدوره في اعتراف الناس بتصميم الأزياء كفنّ .


أنواعُ الملابس النسائية والرجالية في عصر النهضة

بعد الثورة الصناعية التي أُرسِلَت فيها النساءُ وحتى الأطفال لساعاتٍ طويلة إلى المصانع، نشأت حاجةٌ إلى ملابسٍ أكثرَ راحةً وفاعلية، فتغيّر تصميم الأزياء تمامًا. والمقصودُ بالفاعلية هنا هو تصميمُ الملابس بحسب المواقف المختلفة، مثل الرياضة والعمل البدني والحفلات الخاصة بالأثرياء، وأيضًا على أساس طباعِ الفرد وميوله وما إلى ذلك .

أثّرت الحروب العالمية أيضًا على كفاءة الملابس وترسيخ الموضة كفنٍّ مهمّ ولا يُمكن الاستغناء عنه. وقد أدّت هذه العوامل، إلى جانب ازدياد الطلب على الملابس لمناسباتٍ وأفرادٍ مختلفين، إلى أن يُنظر إلى الموضة والملبس بنظرةٍ أكثر جدّية تدريجيًّا .

كانت مسائلٌ مثل ندرة المواد الخام وقِلّة اليد العاملة، ومشاركة جميع الشرائح والأجناس في الحرب، وما يرتبط بالحفاظ على الروح المعنوية، من الأسباب التي حفّزت صناعة الموضة على النشاط الأكبر والأكثر جدّية .

فعلى سبيل المثال، بدلًا من القبّعات الضخمة والمزيّنة بشكلٍ مبالغ فيه، ظهر في الأسواق أنواعٌ متعدّدة وغير مكلفة من العمائم (التوربانات) لجمع شعر النساء وتنسيقه. وقد لاقت هذه العمائم رواجًا خاصًّا بين النساء اللواتي كنّ يعملن خارج المنزل أو حتى في جبهات القتال .

كما أن هيمنة الولايات المتحدة على خريطة الموضة، بدل باريس المحتلّة، وظهور مجلاتٍ أكثر بريقًا للحفاظ على معنويات المتعاطين مع الحرب، وإضافة رموزٍ وطنية إلى التصاميم، والاعتماد الحذر على الألوان (مثل اللون الأحمر الذي كان دالًّا على الشيوعية)، والتوجّه إلى استخدام معادن غير الذهب والفضة في صناعة الحليّ، وتوحيد المقاسات لإنتاج الزيّ العسكري بسرعة، وإعادة تصميم أو إعادة تدوير الملابس القديمة، والتقتير في تضمين الخياطة والجيوب والزخارف والأزرار وحتى في استعمال الأقمشة والجلود لصناعة الأحذية والملابس، كلها أمثلة على تأثيرات الحروب العالمية على صناعة الموضة والملبس .

ولكن الأهمّ من ذلك أن تزامُن مجرى الموضة مع الاحتياجات المعاصرة للمجتمعات المتورّطة في الحرب، والإيقاع الاجتماعي والاقتصادي، أدّى إلى بروز تصميم الموضة والملابس كفرعٍ فني مستقلّ، ذي تأثيرٍ واسع، وكذا كقطاعٍ مربحٍ وتنافسيّ .

دارُ أزياء وورث

بدأت دارُ أزياء وورث عملها بخمسين موظفًا، فارتفع عددهم إلى ألف ومئتين بحلول نهاية عهد تشغُّل الدار. وكان شارلز فريدريك وورث، المصمم الخاصّ لملابس الأميرة أوجيني، الزوجة الثالثة لنابليون، قدّم ابتكاراتٍ عمليّة عديدة في مجال التصميم؛ فعلى سبيل المثال، صمّم هيكلًا نابضيًّا أو خشبيًّا تحت تنانير السيدات ليمنحها الامتلاء بدلًا من الطبقات الثقيلة المتعددة، وقصّر طول التنانير لتسهيل حركة النساء، واستعمل مانكنًا حيًّا في عروض الأزياء بدلاً من التماثيل الجامدة .

لكن أهمّ ابتكاره كان ما عُرف بـ«الهوت كوتور» أو الخياطة الفاخرة عالية المستوى، الذي يمثل ذروة فنّ تصميم الملابس. فكلُّ قطعةٍ في الهوت كوتور، نظرًا لصُنعها يدويًّا بالكامل، تُعدُّ عملًا فنّيًّا تُعرض غالبًا في متاحف مثل متحف الأزياء الملكية. وكان الابتعاد عن الاندفاع والاحترام التام لمسار إنتاج القطع أمرًا بالغ الأهمية في الهوت كوتور؛ فهو يقدم منتجًا بجودة فائقة، ودوامٍ عالٍ، وقيمةٍ فنيّةٍ راقية. في الواقع، يجسّد الهوت كوتور مقوّمات التمهّل والاهتمام بأدقّ التفاصيل .

ومع ذلك، يكتنف الهوت كوتور عددٌ من المشكلات؛ فهو مكلفٌّ للغاية، ويختصّ بتصميم الملابس للمناسبات الخاصة فقط، ولا يلبي احتياجات الأفراد العاديين في المجتمع لارتباطه بطبقةٍ أرستقراطيةٍ بحتة. ولذا، ورغم الجودة العالية لمنتجات الهوت كوتور، حظيت «الموضة السريعة» باهتمام أوسع نظرًا لطلب الجمهور الكبير وشموليتها لشرائحٍ أوسع .

بيوتُ الموضة في القرن التاسع عشر وشارلز فريدريك وورث :

في القرن التاسع عشر، كانت بيوتُ الموضة كثيرةً خصوصًا في باريس؛ تلك البيوت التي كانت تُجتذب إليها جميعَ المهتمِّين بتجارة الأقمشة وتصميم الأزياء وخياطة الملابس. وكان من بين هؤلاء شارلز فريدريك وورث، الذي يُعتَبر إلى حدٍّ ما أبَّ الموضة الحديثة. وُلد وورث عام 1825 في إنجلترا، ثم هاجر إلى فرنسا، حيث أبدى في التصميم والخياطة موهبةً فائقةً جعلته بسرعة يخلف مدام بالمير، مصمِّمة أزياء البلاط الفرنسي، ثم يؤثِّر بأفكاره على العائلات الملكية الأوروبية .


شارلز فردریك ورث

بدأت دارُ أزياء وورث عملها بخمسين موظفًا، فارتفع عددهم إلى ألف ومئتين بحلول نهاية عهد تشغُّل الدار. وكان شارلز فريدريك وورث، المصمم الخاصّ لملابس الأميرة أوجيني، الزوجة الثالثة لنابليون، قدّم ابتكاراتٍ عمليّة عديدة في مجال التصميم؛ فعلى سبيل المثال، صمّم هيكلًا نابضيًّا أو خشبيًّا تحت تنانير السيدات ليمنحها الامتلاء بدلًا من الطبقات الثقيلة المتعددة، وقصّر طول التنانير لتسهيل حركة النساء، واستعمل مانكنًا حيًّا في عروض الأزياء بدلاً من التماثيل الجامدة .

لكن أهمّ ابتكاره كان ما عُرف بـ«الهوت كوتور» أو الخياطة الفاخرة عالية المستوى، الذي يمثل ذروة فنّ تصميم الملابس. فكلُّ قطعةٍ في الهوت كوتور، نظرًا لصُنعها يدويًّا بالكامل، تُعدُّ عملًا فنّيًّا تُعرض غالبًا في متاحف مثل متحف الأزياء الملكية. وكان الابتعاد عن الاندفاع والاحترام التام لمسار إنتاج القطع أمرًا بالغ الأهمية في الهوت كوتور؛ فهو يقدم منتجًا بجودة فائقة، ودوامٍ عالٍ، وقيمةٍ فنيّةٍ راقية. في الواقع، يجسّد الهوت كوتور مقوّمات التمهّل والاهتمام بأدقّ التفاصيل .

ومع ذلك، يكتنف الهوت كوتور عددٌ من المشكلات؛ فهو مكلفٌّ للغاية، ويختصّ بتصميم الملابس للمناسبات الخاصة فقط، ولا يلبي احتياجات الأفراد العاديين في المجتمع لارتباطه بطبقةٍ أرستقراطيةٍ بحتة. ولذا، ورغم الجودة العالية لمنتجات الهوت كوتور، حظيت «الموضة السريعة» باهتمام أوسع نظرًا لطلب الجمهور الكبير وشموليتها لشرائحٍ أوسع .


بضع نماذج من الملابس المصمَّمة بواسطة تشارلز فريدريك وورث

الموضة السريعة²

مصطلح «الموضة السريعة» كان أول من طرحه «زارا». هذه الموضة تسعى إلى إنشاء سلسلة عرض وطلب سريعة في عالم الأزياء. سلسلة أسهمت في توفير فرص عمل واسعة في مجالات النسيج وإنتاج الملابس وزيادة دخل الدول، لا سيما الدول المُصدِّرة للملابس والأقمشة. كما أنها وفرت احتياجات معظم المستهلكين من الملابس لكافة المناسبات بأسعارٍ رخيصة.

لكن هذه الموضة المتسرّعة كان لها آثارٌ سلبية أيضًا: الترويج للاستهلاكيّة، التركيز على كمّية الملابس بدل جودتها، بطالة قطاع الحرف اليدوية المعنيّة بالملابس، الظروف المأسوية لعمّال هذه الصناعة، والأهمّ من ذلك الضرر الشديد للبيئة. الحقيقة أنّ صناعة الأزياء هي من أكبر الصناعات استهلاكًا للمياه العذبة وإنتاجًا للنفايات الضخمة والملوِّثات؛ إذ يُستهلك لأجل إنتاج كل مترٍ من القماش أكثر من مائة لترٍ من المياه العذبة .

ومن ناحيةٍ أخرى، يعمل العديد من عمّال النسيج والخياطة وغيرهم في مجال الموضة السريعة في ظروفٍ غير مُطابقة للمواصفات، وبأجورٍ منخفضة جدًّا، وفي سنّ الطفولة؛ لا سيما في العالم الثالث. وقد أدّت التوعية حول عواقب الموضة السريعة غير الأخلاقية إلى بروز «الموضة المتأنية» في مواجهتها .


النساء العاملات في الورش الصناعية لإنتاج الملابس

التأني في صناعة الأزياء والملابس

فيما يتعلق بمفهوم التأني في صناعة الأزياء، يجب أن ندرك أنَّ التأني لا يعني بطءً في وتيرة الإنتاج، بل يعني إحياءَ قيمٍ مثل التصميم الأصيل والأخلاقية، وقبل كل شيء الجودةَ المستدامة في الأزياء. ولكن ما هي خصائصُ موضةِ التأني؟

الموضة المتأنية³

تخيّل أنك عدت للتوّ من العمل إلى المنزل. لقد كان يومًا صعبًا… بل أيّامًا صعبة. تفتح مجلد الحفظ في إنستغرام الخاص بمشترياتك، وتكمل طلب بعض الخيارات. تلك القطع التي لديك ما يشبهها فعلًا في خزانة ملابسك، ولكنك لا ترغب باستخدامها طويلًا. على كلّ حال، من المؤكد أن هذا النوع من "العلاج بالتسوّق" سيحسّن مزاجك لفترة قصيرة فقط، ثمّ سرعان ما تعود إلى نفس الدائرة مجددًا .

الوقوع في هذه الدائرة يعني شراء قطع غير عملية في خزانة ملابسك، قطع تُشترى فقط لأنّها من موضة الموسم أو لأنها معروضة بخصم مغرٍ لا يُمكن تجاهله .

في مثل هذه المواقف، تقف الموضة المتأنية إلى جانبك، وتدعوك لأن تشتري بذكاء ووعي .

تُركِّزُ موضةُ التأني على خفض سرعة إنتاج واستهلاك الملابس، وتسعى إلى تحقيق ذلك عبر تشجيع الشراء الواعي، وزيادة متانة المنتجات لاستخدامها طويل الأمد، وإضفاء الشفافية على عمليات إنتاج الملابس من قِبَل العلامات التجارية، وإيلاء الاهتمام للأعمال اليدوية والفريدة. وينتج عن هذا التوجه تقليلٌ في حجم الإنتاج والاستهلاك، والحفاظ على البيئة، وتحسين ظروف عمل العمال المرتبطين بصناعة الأزياء، فضلاً عن صون القيم التقليدية والمحلية في تصميم وإنتاج المنتجات .

إحدى الأمثلة المحبوبة لموضة التأني هي «حريرإري».. حرير إري نوع من الحرير يُنتَج دون قتل دودة القز، ويُستخدم في صبغه ألوان طبيعية فقط. هذه الطريقة، بالمقارنة مع حقول القطن التي لا تُحصى والتي تتطلب كميات هائلة من المياه ومبيدات قوية، تظهر احترامًا أكبر للبيئة ولحقوق الحرفيين المحليين. كما يُعدُّ القطن العضوي الذي استخدمت فيه مبيدات أقل، وأليافُ البامبو سريعة النموّ والمقتصدة في الموارد البيئية، والأقمشة المعاد تدويرها، والكتان الذي يحتاج في إنتاجه إلى مياهٍ أقل، من تجليات موضة التأني .


الحرير الإري الذي يُحضَّر بطريقةٍ تقليدية

على عكس الموضة السريعة التي تدفع المستهلك نحو الإفراط، تشجع موضة التأني على التأمل والتفكير والوعي عند اختيار الملابس واستهلاكها. فما نتيجة هذا التأمل والتمهل؟ ربما تكون النتيجة الأساسية الوصول إلى أسلوب شخصي في الملبس يتناغم مع مزاج الفرد وذوقه وقيمه الأخلاقية. أسلوب يحترم إبداع الفرد وفرديته، ويحرره من دوامة الاستهلاك المهووس للملابس .




الصور المرفقة

  • آرائكم تهمنا
  • لن يتم نشر الرسائل التي تحتوي على قذف أو تشهير!

مصطلح «الموضة السريعة» كان أول من طرحه «زارا». هذه الموضة تسعى إلى إنشاء سلسلة عرض وطلب سريعة في عالم الأزياء. سلسلة أسهمت في توفير فرص عمل واسعة في مجالات النسيج وإنتاج الملابس وزيادة دخل الدول، لا سيما الدول المُصدِّرة للملابس والأقمشة. كما أنها وفرت احتياجات معظم المستهلكين من الملابس لكافة المناسبات بأسعارٍ رخيصة. لكن هذه الموضة المتسرّعة كان لها آثارٌ سلبية أيضًا: الترويج للاستهلاكيّة، التركيز على كمّية الملابس بدل جودتها، بطالة قطاع الحرف اليدوية المعنيّة بالملابس، الظروف المأسوية لعمّال هذه الصناعة، والأهمّ من ذلك الضرر الشديد للبيئة.

فيما يتعلق بمفهوم التأني في صناعة الموضة، يجب أن نحرص على أن التأني لا يعني إبطاء وتيرة الإنتاج، بل إنَّ التأني يعني إحياء قيم مثل التصميم الأصيل، والالتزام الأخلاقي، وعلى الأخص الجودة المستدامة في عالم الموضة.