ناعمة اصفهانيان
17 أيار 2025 / قراءة: 6دقيقة
ملف الفن والتمهل

التمهّل وحياكة السجاد

نسج السجاد فنٌّ نابعٌ تماماً من الطبيعة. العناصر الثلاثة الأساسية لهذا الفن—الصوف، والصبغة، والخيط أو خيوط السدى—تُستخرج مباشرةً من الطبيعة، وما كان معتمداً على الطبيعة ونمو النبات والحيوان، لا يكون غريباً عن التَّمهل. فالصوف الذي يُجزّ من الأغنام كل عام في أواخر الربيع يجب أن يُنظَّف ويُغسل ويُجفَّف، ثم يُغزل بمحبّةٍ وبالتَّمهل، ويُغلى لساعاتٍ وأحياناً لأيامٍ مع نباتاتٍ جُمعت من الطبيعة، ثم يُترك لأيامٍ وأحياناً لشهورٍ في مجرى ماء جارٍ أو على ضفاف الجداول، كي تثبت الصبغات وتدوم.

5
التمهّل وحياكة السجاد

مجلة ميدان آزادی: فنّ السجاد هو أحد أقدم الفنون الإنسانية، ومنذ بداياته الأولى انخرط الإيرانيون في هذا الفن. سجادة بازييريك (التي استُخدمت صورتها على غلاف هذا المقال) هي أقدم سجادة في العالم، وتعود إلى القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد. في الصفحة الثانية من ملف «الفن والتَّمهل» تناولت السيدة ناعمة أصفهانيان – باحثة في السجاد – هذا الفن من منظور التَّمهل. ستقرأون هذا المقال فيما يلي :

 

نسج السجاد على مرِّ العصور

منذ الأزمان التي استوطن فيها البشر حدود هضبة إيران في الخيام والمنازل، احتاجوا إلى شيءٍ يدثِّر الأرض ويجعلها دافئةً وناعمةً، ويُكسو الأبواب والجدران ليحميهم من نفوذ البرد أو الحر، فابتكروا حرفة الغزل والنَسج. لقد نسجوا الحصير ثمّ النول كان يُنتج الكليم، ومن الكليم تطوّروا إلى نسج السجاد. ولا توجد من تلك العصور إلا آثارٌ قليلةٌ للزخارف السجادية، باستثناء ما ورد في بعض النصوص القديمة وأشعار شعراء أمثال رودكي وفردوسي وغيرهم .

قد تُعزى أقدم التصاوير للزخارف السجادية إلى اللوحات المصوّرة الباقية من عهد الدولة التيمورية؛ ففي أعمال كمال الدين بهزاد، الرسّام الشهير في العصر التيموري، وغيرهم مثل محمود المُذَهَّب، نرى في مواضع متفرقة من المخطوطات سجّاداً مزخرفاً كجزءٍ من أثاث المنازل أو قصور الملوك. وقد عالج علي حصوري هذا الجانب في كتابه «السجاد على اللوحات المصوّرة»، الذي يُعَدُّ مرجعاً شاملاً لتاريخ السجاد في إيران .


من اليمين إلى اليسار:
(اختلاء الإسكندر مع الحكماء السبعة) للفنان كمال الدين بهزاد، (تيمور في المتنزه) للفنان كمال الدين بهزاد،  و«القبة الفيروزية» للفنان كمال الدين بهزاد

بعد الحقبة التيمورية، ومع بروز الصفويين، شُهِدت حقبةٌ مجيدة في فنّ السجاد، لا سيَّما في عهد الشاه طهماسب الأوّل. تُحفظ العديد من السجاجيد الباقية من هذه الفترة في متاحف خارج إيران، وبعضها في المتحف الوطني للسجاد بطهران، ومتحف إيران ما بعد الإسلام، ومتحف الإمام الرضا بالمدينة المقدسة مشهد؛ وهي سجاجيد كبيرة الحجم كانت في الغالب ملكاً للديوان الملكي أو للأمراء. وفي هذه الحقبة، بدأ صيت السجاد الإيراني يعلو تدريجياً عبر اتصالات البلاط الصفوي بالبلاطات الأوروبية والروسية، حتى وصل صيتُهُ إلى آذان شعوبٍ في أصقاعٍ أخرى من العالم. وبعد هذه المرحلة وما شهدته من ارتفاعٍ وهبوطٍ في هذا الفن، يظهر أن الجزء الأكبر من السجاد المتبقّي يعود إلى الحقبة القاجارية؛ مثل سجاد محتشم كاشان، ومصنع اعتماد في قزوين، وسيِّرفيان أصفهان، وأرجُمَندي كرمان، وعمَّا أوغلي في مشهد .

منذ النصف الثاني من عهد القاجار، ومع اتساع الروابط التجارية الخارجية وتردد التجار غير الإيرانيين على البلاد، كان السجاد والزرابي الإيرانيّة، جنباً إلى جنب مع المواد الخام مثل القطن والخيوط والجلود والقصب والحرير، السلعةَ الرئيسة التي تُبادل مع الدول الأخرى، وقد شكّلت أحياناً ما يصل إلى أربعين في المئة من حجم المبادلات؛ وذلك حتى تحقيق دخل بيع النفط الخام عام ۱۳۱۳ وتجديد عقد دارسي. في تلك السنوات، حازّ سجاد المدن والقرى الإيرانيّ على شهرةٍ واسعة في الأسواق العالمية إلى درجة أنه كان يُستخدم في المنازل، وفي المنشآت الرسمية الفخمة، وفي المتاحف، وظلّ السجاد اليدوي لسنواتٍ طويلة رمزاً لا ينازع لفنّ إيران في العالم أجمع. وربما صادفتم أثناء مراهقتكم، عند قراءة رواية

«ميشيل ستروغوف» للكاتب جول فيرن، وصفَ السجادة الإيرانيّة المفرودة في قصر القيصر!


السجادة الأردبيلية الصفوية، متحف فيكتوريا وألبرت بلندن 

ومما لا يُنْكَر أنه على امتداد هذه القرون والسنين كافة، كانت حياكة السجاد جزءاً من حياة الناس العاديين؛ سواء أولئك الذين كانوا بدوّاً رحّلًا، كالسجاد المنسوج لدى عشائر القشقائيين والبختياريين والشاهسونيين، أو أولئك المقيمين في القرى والمدن، كالسجاد المنسوج في فراهان وتفرش وجوشقان وميْمَه وساروق وويست وسنقر وكليائي وسيرجان وبلوش… لم يكن السجاد يوماً فناً زينياً محضاً، بل كان وسيلة لتلبية الاحتياجات، يُنسَج بتمهّلٍ وبأجمل صورة ممكنة. ومن ذلك، ومنذ القديم، كانوا يضعون السجاد اليدوي ضمن جهاز العروس كاستثمار، وفي القرى لا تزال الفتاة قبل الزواج – دون أجر ومن قلبها – تنسج هذا السجاد لبيت مستقبلها .


السجّادة الصغيرة لفريدن، مجموعة الورنيش

التمهّل في خيوط السجادة

إنَّ حياكةَ السجاد فنٌّ ينبعُ كُليًّا من الطبيعة. العناصرُ الرئيسيةُ لهذا الفنِّ—الصوفُ والصبغةُ والخيطُ أو أنسجةُ الغزل—مُستخرَجةٌ مباشرةً من الطبيعة، وما يتوقَّفُ على نموِّ النباتِ والحيوانِ لا يَغْتَرِبُ عنه التمهّل. فالصوفُ الذي يُقصُّ من الأغنامِ أواخرَ الربيعِ كلَّ عامٍ، لا بدَّ أن يُعطى الوقتَ الكافيَ لينظَّفَ ويُغسلَ ويُجفَّفَ بتمهّل، ثم يُغزلَ بتمهّلٍ أيضًا. وأما النباتاتُ المستعملةُ للصبغِ—كالإسبرج والنيل والروناس والغندل—فلا بدَّ من غليِها ساعاتٍ، وأحيانًا أيامًا، ثم نقعِها لأيامٍ وأحيانٍ تمتدُّ إلى أشهرٍ في مياهٍ جاريةٍ أو في مجرى الأنهار حتى تثبتَ الألوانُ وتدومَ .

ومن ناحيةٍ أخرى، يتوجَّبُ على أساتذةِ الرسمِ، كحاجِ ميرزا آقا إمامي وخبيرِ الصناعات، أن يلوِّنوا آلافَ المربعاتِ الصغيرةِ في خريطةِ نقشِ السجادة—وهي خريطةٌ مربعةٌ مرسومةٌ على الورقِ مُقسَّمٌ إلى مربعات—انطلاقًا من الصورةِ المنقوشةِ في أذهانهم، والتي تستلهمُ غالبًا من الطبيعةِ والبيئةِ المحيطة. وبعد أن يُتمَّوا عمليةَ تجهيزِ النولِ بخيوطِ الغزلِ القطنيةِ وسحبِها في الإطار، تكونُ جميعُ الاستعداداتِ قد اكتملتْ لبدءِ الحياكة .

ويبدأ الحائكُ عملهُ عقدةً بعد عقدةٍ، وقد يصلُ بعضُهم إلى ستةِ آلافِ عقدةٍ في اليوم الواحد. وعند انتهاءِ كلِّ صفٍّ أو جولةٍ، يستخدمُ خيوطًا أكثرَ سُمْكًا تُسمى «النور»، ويَدُكُّها بالدفّةِ أو المشطِ ليثبتَ العقدَ، ثم يعودُ إلى صفٍّ جديدٍ من الحياكةِ الذي قد يَستمرَّ لأشهرٍ أو حتى سنواتٍ. ويؤمنُ الأساتذةُ أنَّ كلَّما طالَ زمنُ الإنتاجِ، زادتْ متانةُ السجادةِ وعمرُها؛ لهذا السببِ ورد في بعضِ المصادرِ أنَّ كلمةَ «قالی» في التركية تعني «الشيءَ الدائمِ والباقي .»


دار حياكة السجاد وخَمّ الصباغة في بازار كاشان

نحن نعلم أنَّ عالمَ اليوم عالمُ الاندفاع والسرعة؛ اندفاعٌ من أجل الامتلاكِ والاستهلاكِ ثمَّ الامتلاك من جديد. لكنَّ حكايةَ السجاد تختلف. فالسجادُ، كما يولد بتمهّلٍ، يصل إلى النضجِ بتمهّلٍ أيضًا. ربما سمعتَ القولَ: «على السجاد أن يَشعُرَ بآثارِ الخطوات». فلا بدَّ للسجادِ أن يُفردَ تحت القدم، أن تُخطَوهُ الأقدامُ، أن يتسخَّ، أن يجُرَّ، ثم يُغسلَ، حتى يصلَ تدريجيًّا في العقدين الرابع والخامس من عمرهِ إلى النضج؛ أي إلى ذلك الحالةِ التي تنضجُ فيها الألوانُ، وتنفكُّ حُزَمُ الصوف، وتطلقُ زيوتها فتلمعَ، ويظهرُ المشهدُ في ذروةِ كمالهِ. ولهذا، وعلى عكسِ سائرِ السلعِ الاستهلاكيّة التي تَفقد قيمتَها بمرورِ الوقت، يَحتفظُ السجادُ اليدويُّ بقيمتِه الاقتصادية مُواكِبةً للزمنِ عند استعمالِهِ الصحيحِ ومرورِ الأيام، ويَصيرُ من قبيلِ التراثِ الثمينِ الذي يَنتقلُ من جيلٍ إلى جيلٍ.


الترنْجُ في سجّادةِ فرادنِبَةِ البختياريِّ، مجموعةُ الورنيش

متعة المشاهدة في التمهّل

منذ القدم يُطلَق على السجاد أيضاً اسمُ الفرش؛ بمعنى الشيء القابل للفرد. أي ما يُنشر على الأرض ويُوسَّع حدُّه ليجمع الناس حوله لمشاهدته، فالسجاد يُشاهد لا يُرى فقط. فما الفرق بين المشاهدة والرؤية؟ إنه التمهّل ذاته، والصبر ذاته، ومداعبة الخيال حين التأمّل في تفاصيل النقوش وتناسق الألوان والتصاميم والفواصل .

فالسجاد كحديقةٍ محدودةٍ بأطراف الجدران، وفي نقطةٍ مركزيةٍ قد تكون رمزاً لبركةِ الحديقة أو للشمس، يجمع حوله كل الترنجات وتعاريج الأشجار وأوراقها وزهورها وحيواناتها، ليكون انعكاساً للجنة السماوية على الأرض .


السجّادةُ الصغيرةُ «شلمزار بختياري»، مجموعةُ الورنيش

جاذبيةُ هذا القابل للفرد تكمنُ في أنه يدعوكَ للتجوّلِ في أركانه وزواياه. إنه امتاعٌ ممتدّ من المشاهدةِ أثناء تأمّل تفاصيل النقوش التي نُسِجَت أحيانًا في شتاءٍ خاملٍ وأحيانًا في صيفٍ لاذعٍ، وأحيانًا وسط الضحكاتِ وأحيانًا بين أحضانِ الأحزانِ وألحانِ تهويدة الأمهات؛ وكلٌّ منها يحملُ في طيّاته قصةً من ألفِ ليلةٍ وليلةٍ .

سرعة نسيان المتعة

ولكن، هل ثمةُ شيءٌ نجى من آفةِ الاندفاع؟ منذ نحو ستينَ عاماً، ومنذ أن سُمِع دويُّ خطواتِ الصناعة في بلادنا ودخلت الآلاتُ هذه الأرضَ، وظهرت آلاتٌ لحياكةِ السجادِ على نطاقٍ واسع. حَلَّتْ صادراتُ النفطِ مكانَ السجادِ في السوقِ العالمية، ومع تطوّر صناعةِ البتروكيماوياتِ وإنتاج الأليافِ الصناعيةِ والصبغاتِ المركّزةِ، تراجَعَت مكانةُ السجادِ اليدويّ الذي كان نتاجَ الصبرِ و التمهّلِ وخيالِ الحائك، ليحلّ محلّهُ السجادُ الماكينيُّ المصنوعُ من الأليافِ البلاستيكيةِ وألوانٍ حادةٍ وعكرةٍ، لا يتطلّب إنتاجُ كلِّ قطعةٍ منها أكثرَ من يومٍ واحدٍ .

وخرجت إلى الأسواقِ كمياتٌ هائلةٌ من السجادِ الجاهزِ ذو الجمالِ الزائلِ، الذي يبهتُ ويتلاشى لونهُ ويفقد قيمتَهُ بعد كلِّ غسلةٍ، حتى يهرَمَ ويصير لا شيءَ يُذكر. أمّا نقوشُهُ فلم تُستلهمْ من خيالِ الرسامِ والحائكِ ومن تأمّلهِما في الطبيعة، بل كانت نتاجَ برامجَ وأنماطٍ مُدخلةٍ في الآلةِ، يُعادُ تصميمُها وتكرارُها بلا فسحةٍ للغزلِ اليدويِّ أو الصباغةِ التقليديةِ أو التمهّلِ في النضوجِ والكمالِ، مما حرمَ المشاهدَ من فرصةِ التأمّلِ و رحلةِ الخيالِ بين عقدٍ وعقدٍ .


السجّادةُ الصغيرةُ «ليليان»، مجموعةُ اللاك 




الصور المرفقة

  • آرائكم تهمنا
  • لن يتم نشر الرسائل التي تحتوي على قذف أو تشهير!

في جميع القرون والسنين، شكَّلتْ حياكةُ السجاد جزءًا من حياة الناس العاديين؛ سواء أولئك الذين كانوا رحَّالةً بدوًّا، كالسجاد المنسوج لدى عشائر القشقائيين والبختياريين والشاهسونيين، أو أولئك المقيمين في القرى والمدن، كالسجاد المنسوج في فراهان وتفرش وجوشقان وميْمه وساروق وويست وسنقر وكليائي وسيرجان وبلوش… لم يكن السجادُ يومًا فنًّا تزيينيًّا محضًا، بل كان وسيلةً لتلبية الاحتياجات، يُنسَج بتمهّلٍ وبأجمل صورةٍ ممكنة.

منذ القدم يُطلَق على السجّاد أيضاً اسمُ «الفرش»؛ بمعنى الشيء القابل للفرد. أي ما يُنشر على الأرض ويُوسّع حدُّه ليجمع الناس حوله لمشاهدته، فالسجّاد يُشاهَدُ لا يُرى فقط. فما الفرق بين المشاهدة والرؤية؟ إنه التمهّل ذاته، والصبر ذاته، ومداعبة الخيال حين التأمّل في تفاصيل النقوش وتناسق الألوان والتصاميم والفواصل. فالسجّاد كحديقةٍ محدودةٍ بأطراف الجدران، وفي نقطةٍ مركزية قد تكون رمزاً لبركة الحديقة أو للشمس، يجمع حوله كل الترنجات وتعاريج الأشجار وأوراقها وزهورها وحيواناتها، ليكون انعكاساً للجنة السماوية على الأرض.