مجلة «میدان آزادي»: بالتزامن مع شعورنا ببرودة الشتاء القارسة، ينذرنا منظِّمو الأرصاد الجوية بأن الهواء الملوَّث قد استقرَّ حول المدينة، لذا يُنصح بتقليل تنقلاتنا داخلها، إذ إن الجوّ ملوثٌ بشكلٍ لا يُطاق! إن التلوّث يُعدُّ أحد نتائج العيش في المدن الكبرى وتبنّي الاعتقاد الراسخ بسرعة الحياة، الذي يدفع الإنسان أحيانًا إلى التوقّف وممارسة التمهّل في حياته. ومع بدء موسم البرد، تعتزم هيئة تحرير مجلة «میدان آزادي» طرح ملفّ خاصّ على بساط البحث. نُقدّم لكم فيما يلي افتتاحية ملفّ «الفن والتمهّل» للكاتب والنّقد مجید اسطیری .
(كم مرة رأيتُ ربّانَ القاربِ فتمنّيتُ أن أكونُ مسيطرًا على زمامِ حياتي، أن أحذو حذوه؛ فهو قد تركَ المجاذيفَ، واستلقى على ظهرِه في حوضِ قاعِ القاربِ، وأسْلَمَهُ للتيّار، لا يرى فيه سوى السماءِ التي تعبر بتمهّلٍ فوق رأسِه، وكان طعمُ البهجةِ والصفاءِ جليًّا على ملامحِ وجهِ)
إنّ هذا الحلم الذي راود راوٍ رواية «البحث عن الزمن المفقود» أصبح اليوم حلمَنا جميعاً. لقد كانت مارسيل بروست، كاتبةُ أضخم رواية في العالم، وربما للمرة الأولى والأخيرة، من علم الإنسان المعاصر طعمَ لذةِ التمهّل في الحياة. تلك اللذة التي أوشكت أن تُنسى في خضمّ اندفاعنا وتسرّعنا الدائم، وهي مشاهدةُ الحياة وتذوُّقُها واستنشاقُها بتمهل رايق .
إن التمهّل شرطٌ لازم للانصهار في الحياة وتذوُّق لحظاتها. فحياةُ كلٍّ منا غنيةٌ باللحظات الفريدة، غير أنّ بروست وحده من رسّخ إحدى هذه اللحظات البسيطة لتصبح أبدية: إنها «لحظةُ المادلين». تلك اللحظة التي تدهشُ قراءَ العالم حين تُفتح أمامهم بوّابةٌ خاطفة، لحظةٌ قصيرةٌ ما إن يتناولوا قطعةً من بسكويتة المادلين حتى تنبثق أمامهم عوالمُ الذكريات، وتنقلُهم من «الآن» في رحلةٍ شائقةٍ عبر الزمان والمكان .
لم يكن بروست بالتأكيد أول من أسبغ وافر التمهل على كل لحظة في روايته المكوّنة من سبعة أجزاء. إنّ تعاليمَ عيشِ الحياة بتمهّل لها جذورٌ عميقةٌ في الثقافة الشرقية منذ أمد بعيد. فمن سالكِ مذهبِ الطاو، الذي كان ينزل في كل مرة من منزله إلى جدولٍ تحت الصخرة ليشربَ كأسَ ماء، ممتنعاً أن يستخدمَ الحبلَ والدلوَ ليتعجّل الشربَ ولو قليلاً؛ إلى نظاميِّ گنجوي الذي رأى في حركة الجبل البطيئة دليلَ خُلُقه:
وصل الجبل إلى مكانه ببطء
ولهذا السبب فهو يدوم طويلاً .
لطالما اقترنت الفنون الشرقية ارتباطاً وثيقاً بمبدأِ التمهّل. فكان الفنّ يُبدَع بتمهّل تامّ، ويدعو متلقّيه إلى أن يعيشوه بعمقٍ وبتمهّل: عقدةٌ بعد عقدةٍ في السجادةِ الإيرانية، وانعطافٌ بعد انعطافٍ في تفتّحِ زهرةِ اللوزِ في التصوير الياباني، كلها دعواتٍ دائمةٍ لإضفاء عمقٍ على كلّ لحظةٍ من رحلةِ الحياة .
إن هذا النهج الشرقي يختلف كثيراً عن العجلة التي يسببها "فن الاستهلاك" الذي ينتقده جان بودريار في كتابه "مجتمع المستهلك": إذ يتعين وصف روايات الخيال العلمي المبتذلة بأسرع ما يمكن، كما نراها؛ ورغم روعتها ووفرتها، يجب علينا ألا ننسى أبدًا أنها نتيجة للنشاط البشري، وتخضع لقانون القيمة التبادلية، وليس لقوانين البيئة الطبيعية .
إن حركات مثل «التمهّل في الطعام»، «المدن المتمهّلة» و«التعليم المتمهّل» ليست سوى جزءٍ من حاجة الإنسان المعاصر إلى التحرّر من شرّ الحياة المتسرّعة .
يهدف ملف «الفن والتمهل» في مجلة ميدان الحرية إلى دراسة قيمة الفن في الوقاية من داء التسرّع المعاصر، وإلى تقديم ومراجعة أفضل الأعمال الفنية المتمهّلة بين مختلف الفنون. وبهذا، لا نتحدث فقط عن أهمية العيش على أساس التمهل في فهم الفن، بل أيضًا عن أهميته في التعليم والإبداع، وقبل كل شيء في التمتّع بالفن .