مجلة ميدان آزادي: للتمهل صلة وثيقة بالفنون الإيرانية الأصيلة، سواء في علاقة الفنان بالعمل الفني أثناء مراحل إبداعه، أو في ارتباط العمل الفني بجمهوره وفهم المعنى والمغزى الكامنين فيه .
في فن الخط الإيراني، الذي يُعَدّ واحدًا من أفخم ساحات تجلّي الذوق الإيراني، سواء عند خلق العمل أو عند تَأمُّلِه، فَكلا الأمرين يُعَدّ تمرينًا يكسب المرء مهارة التمهل .
في ملف «الفن والتمهل»، تناولت معصومة سلامي – المصممة والباحثة في مجال الفن – علاقة هذا الفن بمفهوم التمهل .
ستقرؤون هذا المقال فيما يلي :
إذا التقى لحظتنا وذوقنا عند مرورنا بجانب مسجدٍ تاريخيٍّ، وحدثت لحظةٌ من التمهل، فإننا عند توقفنا أمام مدخله، نرى شريطًا من الخطوط المترابطة يملأ قوس الباب كله بجمال، ويدعونا بتعرُّجاتٍ صوفيةٍ إلى الدخول. يظهر استخدام الخطّ الإيراني بوضوحٍ في العمارة التقليدية الإيرانية، وفي المصاحف المكتوبة بخط اليد، وسائر الكتب الدينية والأدبية، كمختلف نماذج ديوان حافظ. ومع النظرة العصرية الحديثة، يبدو تنفيذ هذه المخطوطات الضخمة والعميقة المعنى—كخطوط تغطي جدران مسجد الشيخ لطفالله الداخلي من جميع الجهات—مهمةً مستحيلةً؛ ولكن هذه الجماليات، التي تملك القدرة على التأثير وابتداع أجواء روحيةٍ عميقة، هي ثمرة كدّ الفنانين في مرارتهم اليومية وعمرهم الثمين، الذين كرّسوا حياتهم كلها دون أي مقابلٍ لهذا الفنّ؛ فنٍّ طالما سعى إلى ربط العلم والمعرفة بالجمال والرقة، وهذا يدلّ على أهمية تنمية العقل والذوق معًا بيننا نحن الإيرانيين .

نقش مسجد الشيخ لطفالله
البداية الرسمية لفن الخط
فيما يخصّ مسار هذا الفنّ وتاريخ بدء ممارسته رسميًّا في إيران، لا بُدّ من العودة إلى القرن الرابع للهجرة، في عهد الخلافة العباسية، والإشارة إلى جهود الوزير الإيراني ابن مقلّة الشيرازي.
لقد قام ــــ باعتماده الذكيّ على قواعد الفن الإيرانيّ والخُطوط المتشكِّلة حتى تلك الفترة ــــ بإجراء تصنيفٍ جديدٍ أُطلق عليه اسم “الخطوط الستة .”
ولاحقًا، أسّس مير علي التبريزي في القرن الثامن للهجرة خطّ “النسْتَعليق” من خلال دمجه نوعيْ خطِّ النسخ والتعليق
ولكلّ نوعٍ من الخطوط عادةً استخدامٌ خاصّ؛ فعلى سبيل المثال، يُستخدم خطّ النسخ ــــ لِما يتميّز به من اتساع المساحة السطحيّة مقارنةً بخطّ الثلث، مثل الكوفيّ ــــ في العمارة وكتابة الآيات على البلاط، كما نراه في حرم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وحول قُبَّته.
وقد اُعتمد خطُّ النستعليق غالبًا لكتابة الأشعار والأدب واللغة الفارسية، في حين كان شكله المكسور يُوظَّف تاريخيًا لأعمال الكتابة الإداريّة والمكاتبات .
أمّا اليوم، ففُضِّلَ استخدام جميع أنواع الخطوط بوصفها تعبيرًا ذوقيًّا وفنّيًّا .

نموذجٌ من خط ابن مقلة الشيرازي
التمهل والخطّ
الحقيقة أنّه عند المُواجهة البصرية مع فنِّ الخطِّ، لا مفرَّ من التمهُّلِ والتأمُّلِ. التمهُّلُ في تلك الخطوطِ الراقصةِ التي تصطف مثل منسوجاتِ عقدِ سجادةٍ إيرانيةٍ، رُصّت بيدٍ وفكرٍ فنانٍ بارعٍ وببراعةٍ وتمهُّلٍ، وعادةً ما تقدّمُ معنىً ساميًا بكلماتٍ ذاتِ مغزى عميقٍ إلى نظرِ المشاهدِ .
أما التأمّل في الجماليات البصرية، مثل التكوين والتناغم بين السواد والبياض ونوع الخطّ المختار للكلمات، فيأتي في المرحلة الأولى، ثمّ التفكير في المعنى المتضمّن في المرحلة اللاحقة، ليُسهم مساهمةً كبيرةً في تنمية ذوق وفكر المتلقّي، ويدفعه إلى استكشاف شكل العمل ومعناه بعمق .
أمّا فيما يتعلّق بكيفية نشوء هذه الأعمال، فلا بدّ من القول إنّ للخطّ وجهاً آخر من التمهّل والتأمّل يخصّ كاتبها. بمعنى أنّ أيّ عملٍ فنّي يترك تأثيرًا خاصًّا، فهو بالتأكيد حصيلة جهدٍ لم تره العين للكاتب. فالخطّ، مهما كان شكله أو غايته، وحتى لو أُدرج اليوم ضمن إطارٍ فنيّ، فإنّ طريقَ تعلمه يتضمن مراحل وآدابًا خطوةً بخطوةٍ طويلة الأمد. من بين هذه المراحل، يأتي التمرين المستمرّ العمليّ، والنظريّ، والخياليّ. يجب على الفنان الخطاط في مسار تعلّمه أن يمشق كل حرف من حروف الأبجدية مرارًا وتكرارًا على طريقة أستاذه، وأن يقترن ذلك بمشق نظري عبر التأمّل في الأعمال القيّمة، ثم ينتقل في مرحلةٍ أعلى إلى الكتابة الذهنية للكلمات، وهذه المرحلة تتطلّب التمهّل وإنفاق وقتٍ طويلٍ يتناسب مع موهبة الفنان وقدرته .
وكما قال القاضي أحمد غفاري، الشاعر والخطاط :
«لم تزل خصلة الشعر في الخط محتاجةً إلى التمهّل، فمن تهاون ولو للحظة في التمهّل، زال خطه كما يزول لون الحنّاء» .
بعيدًا عن كيفية تنفيذ الخطوط، أوصى الخَطَّاطون عبر التاريخ بأن تتوافر فيهم حالاتٌ نفسيّةٌ وروحيّةٌ كثيرة. ذُكِر أن التمهّل والصبر في العمل، وأدبُ التعامل مع الأستاذ، والتواضع والابتعاد عن الكبر والغرور أمام الله، والعملُ في ساعاتٍ مخصوصةٍ من الليل والنهار مع سعة الصدر، كلّها عواملُ تَقدُّمٍ في هذا الفن. أمّا بالنسبة لكُتّاب القرآن الكريم، فبالإضافة إلى كلّ هذه التوصيات، فقد وُصِيَ بنظافةِ الجسم والروح، والطمأنينة، وحُسنِ الخُلُق .
نتيجة كل هذه المعاناة وقطع هذا الطريق الشاق هي تربية جيل لا ينظر إلى الفن مجرّدًا كأداة مادية أو تسلية سطحية، بل يراه مجرّد تجلٍّ للجمال، بل طريقًا لبيان روح الكون العظيمة ونور الكلمات. ونتيجةً لذلك، يبدع هذا الجيل أعمالًا فريدةً لا مثيل لها ولا تتكرّر، تعكس عمق ثقافة الإيرانيين ونظرتهم المتميّزة إلى المعرفة والفن.
ولذلك، يمكن القول بثقةٍ إنّ الخطّ ــــ بفضل التمهّل والتأمّل في سيرته وتقدّمه نحو الكمال وبلوغ مقام الإتقان ــــ يرتقي بفنٍ له معنى يتجاوز الإطار المعاصر، ويقدّم أسلوب حياة بعيدًا عن التسرّع والتعامل السطحي. ولهذا السبب، ثمة توصيات كثيرة في ثقافتنا حول تعلّم الخطّ، وكان امتلاك مهارة الخطّ في الماضي مصدر اعتزاز في المجتمع، وقد بادر إليه العلماء والنخب وحتى الملوك بالسعي الدؤوب لتعلمه .
المواجهة مع الفنّ الحديث
على الرغم من أن الخطّ التقليديّ استمرّ في دهور الأربعينيات والخمسينيات الميلادية (أيّ في فترة نفوذ ذروة الفنّ الحديث)، وبمسار تقليديّ بفضل جهود أساتذة أمثال سيد حسن ميرخاني، وسيد حسين ميرخاني، وفتحعلي واشقاني فرهاني، وغلّامحسين أميرخاني، وكِيهخسرو سوروش، إلّا أنّ مجموعةً من الفنانين قرّروا في الوقت ذاته أن يستفيدوا من هذا الفنّ في عوالم الرسم الحديث، بوصفه مُذكرًا بالثقافة والتقاليد. وأسفر هذا التوجّه عن بروزْ أساليبه هجينة تجمع بين الأصالة والحداثة، التي عُرِفت بأسماء “الرسم بالخطّ” و”الخطّ-رسم” و”الكاليغرافي”، وهي اليوم من التخصّصات الفنّية الرائجة .

نموذج خط الاستاذ سید حسن میرخاني
من بين الفنانين الرائدين والمؤسسين لهذا المسار يمكن الإشارة إلى فرامرز بيلا رام، رضا مافي، حسين زندرودي، إحصائي، وجليل رسولی. في هذه الأساليب، كان بإمكان الفنان أن يحقق عملاً فنياً بوتيرة أسرع وفي زمن أقصر، بما يلبي متطلبات العالم المعاصر سريع الإيقاع. ولهذا السبب أيضاً، ارتبط هذا الفن لاحقاً بعالم الجرافيك والبُعد التجاري للفن .
ولكنَّنا لا ينبغي أن نغفل أن جوهر الخطّ الإيرانيّ، وأسلوب الحياة المعرّف له، والتنشئة النفسية للمتعلم بهدف إشعاع النور حوله، لا يتناغم كثيراً مع تسارع ونتيجةمحورية العالم الحديث؛ فهذه الصيغة الجديدة من الخطّ هي في حقيقتها استخدامٌ للفنّ من أجل التجميل .

الرسم بالخط، من عمل الأستاذ محمد إحسائي
بعدَ ولادةِ وانتشارِ هذه الأساليب، يُستخدم اليوم أيضًا برمجياتٌ للخطِّ، لكن تخيّل أيَّ نصٍّ يمكن أن يحلَّ محلَّ كلماتٍ يكتبها الفنان بيده وبمشاعرِه باستخدام خطٍّ آليّ؟ من ناحيةٍ أخرى، إذا كتبَ الفنّان كلماتٍ حرفًا حرفًا مرارًا حتى يصل إلى النتيجة النهائية، فما الصّلة التي تنشأ بينه وبين معاني الكلمات، وكيف يؤثّرُ في ذهنِه وروحهِ رسالةُ الجملة الثمينة؟ في الواقع، ما الثمرةُ سوى نظرةٍ عابرةٍ بلا تأثيرٍ، عندما يُحذفُ تدريجيًّا العنصرُ الإنسانيّ في نقل المفاهيم السامية للمُتلقي والكاتب معًا؟ إنّ الإرث القيّم للخطّ والخطّة الإيرانية، وإن كان عسيرًا، فإنه مثل باقي الفنون الأصيلة في إيران، يحملُ معهُ مدلولاتٍ وتعلّمات؛ من بينها هذا التمهل والاتصال المستمرّ، إذ كقطرات الماء التي تُصقِل الصخورَ القاسية على ضفاف الأنهار، تُنمّي تدريجيًّا روحَ الفنان وتُهيِّئها لاستقبال التَّعلِّي. ومن هذا المنظور، فإنّ الحفاظ على مكانة الخطّ ورفع شأنه، إلى جانبِ المحافظة على ثقافةِ أسلاف هذا الوطن، له أثرٌ بالغٌ في المجتمع أيضًا .