مجلة "ميدان آزادي": من ملف «الفن والتمهل»، تستعرض العلاقة بين الفن وصناعة الرسوم المتحركة من خلال مفهوم التمهل. ستقرؤون فيما يلي هذه المقالة التي كتبتها سپيده جانباز
«( زينوسايِني) ابتكار جان كونيغ في كتابه «قاموس الأحزان المجهولة». هو اسم لشعور غامض بتسارع مرور الوقت؛ فجزؤه الأول مأخوذ من اسم زينون، الفيلسوف اليوناني المشهور بمفارِقاته، وجزؤه الثاني من اسم نيموسايني، إلهة الذاكرة والتذكار في الأساطير اليونانية القديمة. إن المسألة الفلسفية الشهيرة لزينون، بغض النظر عن صحتها أو بطلانها، تساعدنا على فهم هذه الكلمة والشعور بالأُلْفَة الذي يثيره في نفوسنا. فقد قال زينون: «لنفترض أن أخيل، البطل اليوناني الشهير، و«سلحفاة» يرغبان في سباق ركض، فيسمح أخيل من منطلق البطولة للسلحفاة المسكينة بأن تبدأ السباق من نقطةٍ أبعد منه. يبدأ السباق، وخلال المدة التي يسعى فيها أخيل للّحاق بالسلحفاة، تنطلق السلحفاة هي الأخرى خطوةً أخرى، ولو قليلة، فتنجح في أن تسبق أخيل مجدداً». ويقول كونيغ في شرحه المُفَصَّل لهذه الكلمة وهذا الشعور: «حتى عندما تكون ثابتاً ساكناً في موضعك، وعندما ترقد في سريرك في نهاية يوم طويل، تشعر بأنك لا تزال تجري إلى مكانٍ ما. وحتى لو تمكنت غداً من الركض بسرعةٍ أكبر مما ركضت به اليوم، وتمتَّدت يداك أبعد مما مددتهما بالأمس، فستظل تشعر بأن الثواني تنقاد من بين يديك في منعطفات الدرب الملتف أمامك»
هذه تجربةٌ لم يكن إنسانُ العصور الماضية بحاجةٍ إلى كلمةٍ ليُسَمّيهَا. أمّا نحنُ في القرن الحادي والعشرين، فنحنُ، خلافًا لأجدادنا، نمتلكُ إدراكًا عميقًا لمفهومِ هذه الحالة. لقد اعتدنا على أن تفارقنا أَنفاسُنا في خضمّ الركضِ الدائمِ الذي تُفرِضُهُ علينا وتيرةُ حياتنا السريعة. وأصبح من طقوسِ ليلنا الثابتةِ محاولةُ التخلّصِ من الضغوطِ والقلقِ بأيِّ وسيلةٍ تتاحُ لنا—سواءٌ عبر تصفحِ شاشاتنا حتى ساعاتٍ متأخرةٍ، أو اللجوءِ إلى المشروباتِ المنوّمةِ أو المنعشةِ، أو الانخراطِ في أيِّ نشاطٍ يهوّنُ عنا ثِقَلَ اليوم
وفي حين نشبّه جهدَنا بجهدِ أخيل عندما يُحاولُ اللحاقَ بالسلحفاةِ التي لا تكفُّ عن التقدّمِ عليه، نلتفتُ إلى راحةِ أيدينا فنشعرُ كما لو أنَّ شيئًا ثمينًا ينسابُ من بين شقوقِ أصابعنا. شيئٌ يسربُنا من حضورهِ في اللحظةِ الراهنة: لحظاتٌ صغيرةٌ وكبيرةٌ، متشبّعةٌ بإحساسِ الحياةِ ومعانيها، تذوبُ بهدوءٍ في متاهاتِ الزمنِ السريعِ، فنصبحُ نحنُ بدورنا أشبهَ بالسبّاحِ الذي يحاولُ الإمساكَ بأمواجٍ لا تنتهي

كوموربي في مشهد من فيلم الرسوم المتحركة «الأميرة مونونوكي» للمخرج هاياو ميازاكي
الأشياء التي تضيع
لليابانيين كلمةٌ تسمى «كوموربي» قادرةٌ جيدًا على تسمية واحدةٍ من هذه اللحظات الضائعة. ويمكننا أن نترجمها هكذا: «تسرب خيوط ضوء الشمس من بين أغصان الأشجار». لحظةُ كوموربي لحظةٌ رقيقةٌ، عامرةٌ وجميلة. إنه لونٌ أخضرٌ خاصّ لا يُرى إلا في هذه اللحظة، وقد أطلق صديقي عليه اسم: «أخضر ممرّ الشمس»، ذلك الأخضر الذي يتكوّن حين يعبر الضوء بين أوراق الأشجار.
إدراك هذه اللحظة في ازدحام أيام حياتنا الراهنة أمرٌ صعب. كيف يمكن أن نُدرك هذا الحدث العجيب والبسيط في آنٍ واحد، بينما تتسابق الأشياء للفوز بانتباهنا، ونحن مضطرون إلى التنقل بسرعة من مكانٍ إلى آخر واللحاق بأهداف جديدة؟
ربما يكون الحلُّ نوعًا من «المقاومة»: أن نُبعد نظرنا عمّا يحدّق فيه الجميع، ونوجهه إلى ما يقع خارج نطاق الضوء الرئيس للمشهد. أن لا ننظر إلى العالم والحياة الجارية فيه من نافذة القطار السريع الذي يركبه الجميع، بل أن ننزل عنه، نسير على الأقدام، ونكتشف ما تختزنه الطرقات من تفاصيل. هذا ليس بالأمر السهل؛ فهو يتطلّب قوةً ونظرةً متعلمةً تؤدي فعلَ المشاهدة بوعيٍ وإرادة .
الرسوم المتحرّكة فنٌّ قادرٌ على أن يأخذ بيد النظرة، ويُرشدها إلى اتجاهٍ جديد، وبصوره التي تتشحّ بالألوان الزاهية وخيالها الذي يكشف اللحظات الضائعة في سرعة الحياة المذهلة، يمنحنا القدرة على أن نصرف النظر .

القصة الطويلة للرسوم المتحركة
منذ خمسةٍ وثلاثين ألفِ عامٍ، في عصرِ ما قبلِ التاريخِ الباليوليتي، رغب إنسانٌ في أن يروي لقومِه قصةَ الجاموسِ البريِّ الذي رأاه خلال النهار، فخطَّ صُوَره على جُدرانِ مغارةِ التّاميرا بحيث تبدو متحرِّكةً تحت وميضِ النارِ في ظلمةِ الليل—لعله أراد أن يتيح لمن لم يرَ جاموسًا أن يُدركَ تمامًا ما هو هذا المخلوق .
وفي سيستانَ القديمة، في مدينةٍ صارت بعدَ خمسةِ آلافِ عامٍ تُعرفُ بـ«المدينةِ المحروقة»، رسم إنسانٌ آخرُ على آنيةٍ فخاريةٍ ماعزًا بطريقةٍ تخوِّله، عندَ تدويرِ الإناءِ، مشاهدةَ قفزاتِه الشقيةِ أمامَ عينيه

فخَّارُ مدينةِ سوخته، يعودُ إلى خمسةِ آلافِ عامٍ خَلَت
منذُ ذلكَ الحين وحتى اليوم، ورِثَ الإنسانُ عن أسلافه حلمَ إضفاءِ الروحِ على الأشياءِ الجامدة، كي يصوِّرَ مخاوِفه وأفراحَه وأحلامَه ورغباتِه والمعانِي الثمينةِ التي يحملها في ذهنهِ، ويُظهرَها للآخرين.
ولا يقتصرُ شغفُ إحياءِ الأشياءِ الجامدة على العصورِ الحديثة، بل نجدُ أثرَه حتى في الأساطيرِ اليونانية؛ ففي قصةِ رجلٍ يُدعى “بِيلجاميون” الذي نَحَتَ تمثال امرأةٍ بدا كمالُها وجمالُها وروعتها حقيقيّاً إلى درجةِ أن النحاتَ وقع في هوى ذلك التمثال الجُوفِ الذي هو من صُنع يديه. وكانَ هذا الحُبُّ عارماً إلى حدِّ أن “أفروديت”—إلهةُ الحبِّ والجمال في اليونانِ القديمة—لمحتْه وتأثرتْ بعشقِ الفنانِ، فأعطتْ التمثالَ روحاً، وكما تروي الأساطيرُ، حضرتْ احتفالَ زواجهما لتباركَهما.
كأنَّ في الأعماقِ المُخْتَبَئةِ من اللاوعيِ البشريِّ أَمَلٌ دائمٌ بأنَّ قوّةً أسمى—في نهايةِ الأمر—تحقّقُ الحُلمَ الذي صوَّره الإنسانُ، وتجعلَ هذه الهِمَّةَ في “إحياء” الجمادِ، وهذه الأرواحَ الناقصةَ والأنصافَ المُنْبَثِّةَ، تتحوّلُ إلى حياةٍ كاملةٍ تماماً.

براكسينوسكوب وزيوتروب، أدوات لخلق وهم الحركة في الصور
ربما كان لهذا الشوق اللاواعي دافعٌ قويٌّ دفع بالبشر عبر آلاف السنين التالية إلى تمهيد سبل تحقيق هذا الحلم باكتشاف تقنياتٍ متنوعةٍ وابتكار أدواتٍ وأجهزةٍ مختلفة. من فانوسٍ سحريٍ لأثناسيوس كيرشر في القرن السادس عشر، الذي كان أول محاولةٍ لعرض صورةٍ على الجدار، إلى أنواعٍ من الأجهزةِ البدائيةِ التي تخلق وهم الحركة، مثل التوماتروب، والفناكسيو توب، والرويتروب، والبراكسينوسكوب الذي اخترعه الفرنسي إميل رنوار، وكذلك الزيوتروب (الدّوار الحيّ)، التي مهدت الطريقَ أمام التطورات المستقبلية.
وقد أسفرت هذه التطوّرات في نهاية المطاف عن إنتاج أول فيلمٍ متحرّكٍ على يد جيمس ستيوارت بلَكتون، الذي يُعَدُّ من أسلاف الرسوم المتحركة الحديثة. وبعد عامٍ واحدٍ، في عام 1907، أنتج إميل كول أول فيلمٍ متحرّكٍ له، ممّا قرب عملية إنتاج الأفلام الرسومية إلى شكلها المعاصر. واستمر هذا المسار في القرن العشرين فحوّل “الرسوم المتحرّكة” إلى فرعٍ فنيٍّ يخص تحريك الصور الثابتة، وقد كانت التحوّلات الفنية والتقنية في هذا المجال خلال المئة عام الماضية غيرَ قابلةٍ للتصوّر

إحصائيات وضع سوق صناعة الرسوم المتحرِّكة والمؤثرات البصرية على المستوى العالمي المصدر : Market Data Forecast Analysis
ومع ذلك، لم يَحْدُثْ أنْ اقتصرَ عملُ الرسوم المتحرِّكة منذ بدايته على بُعدِه الفنيِّ فحسب. فقد أدَّى الارتفاعُ الكبير في القيمةِ الاقتصادية للإنتاجاتِ الرسومية إلى نشوءِ شركاتٍ كبرى متخصِّصة في إنتاج الرسوم المتحرِّكة، وإلى إقامةِ برامجَ تعليميةٍ واسعةٍ لتدريبِ الطلابِ في الفروعِ الفنيةِ والتقنيةِ ذات الصلة، وإلى تدفُّقِ استثماراتٍ هائلةٍ لتطويرِ التقنياتِ والبُنى التحتية الفنية اللازمة في هذا المجال، وإلى تهيئةِ سوقٍ عالميٍّ واسعٍ لبيعِ المنتجاتِ الرسومية .
فالرسومُ المتحرِّكة اليومَ صارتْ أكثرَ من مجرَّد فنٍّ؛ لقد تحوَّلتْ إلى صناعةٍ بالغةِ الأهمية، تُحقِّقُ دوراناتٍ ماليةً بملياراتِ الدولاراتِ على مستوى العالم، وبلغتْ حتى أبعادًا سياسيةً واستراتيجيةً. ولهذا السبب، غالبًا ما تُسيرُ سياساتُ إنتاجِ الرسوم المتحرِّكة تبعًا لقوانينِ السوقِ ومتطلَّباتِه، مما يُفضي إلى وفرةٍ هائلةٍ من الإنتاجاتِ الرسومية التي تُنتَجُ بأسرعِ وأسهلِ الوسائل، فيتلقّاها الجمهورُ بسرعةٍ ويستهلكُها في دورةٍ عاجلةٍ تنتهي فورًا، من دون أن يجنِي من مشاهدتها أيَّ نفعٍ يُذكَر في حياتِهم
ولكن، كيف يمكنُ للرسومِ المتحرِّكة أن تقاومَ هذه الوتيرةَ المتسارعة؟
التمهُّل في الإنتاج
إن إنتاج الرسوم المتحرِّكة خصوصًا إذا كان المراد منها أن تكون عملًا جيدًا سيرٌ بطيءٌ في جوهره، سواءٌ أكان بنسخته اليدوية أم الرقمية. فإنتاجُ فيلمٍ متحرِّكٍ سينمائي ثنائي الأبعاد قد يستغرقُ وقتًا أطولَ بسبب طبيعةِ العملياتِ الزمنيةِ التي تستلزمها مراحلُ التصميم والرسم اليدوي والتلوين .
تتمُّ عمليةُ رسم الإطارات الوسيطة (inbetweening) في هذه الرسوم المتحرِّكة على النحوِ الآتي: يرسمُ الرسمُ الأساسي (key animator) أولًا الإطاراتِ الرئيسيةَ والحرَجةَ (key frames)، ثم يتولّى الرسامون الآخرون رسمَ الإطاراتِ الوسيطة يدويًّا لجعل الانتقالَ من إطارٍ إلى إطارٍ أكثرَ سلاسةً وانسيابية .
وفي العديد من الرسومِ المتحرِّكة الرقمية، تُسرَّعُ هذه العمليةُ وتُسهَّلُ بواسطة الحواسيب، لكن لا يزال هنالك فنانون يفضِّلون التخلي عن هذا الخيارِ السهل ورسمَ جميعِ الإطارات يدويًّا، ما يستلزمُ وقتًا وطاقةً أكبرَ، ويُسفرُ في المقابل عن قيمةٍ فنيةٍ أعلى

عملية تصميم الحركة في الرسوم المتحركة اليدوية، المصدر: "الدليل الشامل للأنيميشن" تأليف ريتشارد ويليامز
على سبيل المثال، فيلم الأنيميشن “حكاية الأميرة كاغويا” الذي أخرجه المعلّم الراحل إيساو تاكاهاتا، تعرّض للتأجيل عدة مرات عن مواعيد عرضه المحددة، واستغرق إنتاجه ثماني سنوات كاملة، وذلك لأنه أُنجز بالكامل يدوياً. تاكاهاتا، الذي قرأ في طفولته أسطورة “حطّاب الخيزران” – القصة التي يستند إليها هذا الفيلم – لم يتمكّن من التواصل مع مسار تحول بطلتها، الأميرة كاغويا. لذا، حرص في هذا العمل على أن تخدم جميع العناصر المستخدمة فهم القصة بعمق ودقة أكبر .
طلب من مصمم الشخصيات والرسّام الحركي الرئيسي، أوسامو تانبّه، أن يستلهم في تصميم الشخصيات والبيئات الأسلوب البصري للفن الياباني التقليدي ولوحات الحبر “سومي-إيه” (Sumi-e). فقد رُسمت الخلفيات بالكامل بالألوان المائية، وكان تصميم الشخصيات في غاية البساطة، لكنه اقترن بتحريك دقيق ومعقّد لحركات الشخصيات اليومية. وفي تصميم المشاهد، جُنبّ عمدًا إضافة التفاصيل الكثيرة، حتى يتيح سكون الفراغ للمشاهد فرصة التركيز على أهم عنصر في كل لقطة .
لقد جعلت هذه الاختيارات من الفيلم ليس فقط واحداً من أبهى النماذج الفنية في عالم الأنيميشن، بل أيضاً جسرًا يأخذ المشاهد في رحلة تمتد لآلاف السنين عبر التاريخ، ليعايش الغنى الفني والدلالي للقصص الكلاسيكية اليابانية .

تشابه تصميم الشخصيات مع الرسم التقليدي الياباني في فيلم الأنيميشن (حكاية الأميرة كاغويا)
مثالٌ آخر بارز على هذه الدقة والانتباه للتفاصيل في عملية الإنتاج، يتعلّق بفيلم الأنيميشن (فقط بالأمس) الذي أخرجه كذلك تاكاهاتا. في عام 1990، سافر تاكاهاتا وسبعة عشر من رسامي الأنيميشن التابعين له إلى منطقة ريفية في محافظة ياماغاتا اليابانية، وذلك لأن جزءاً من قصة الفيلم تدور أحداثه في مزرعة لزهرة القرطم (الزعفران الكاذب)، وكانوا يرغبون في مشاهدة حقول القرطم عن كثب وطريقة حصادها من قِبل الفلاحين، كي يتمكنوا من إعادة تصوير هذا المشهد في الأنيميشن بأدق التفاصيل الممكنة وبأقصى درجات الدقة.
ويبدو أن أحد الفنانين الذين شاركوا في تلك الرحلة لم يرسم شيئاً سوى نبات القرطم لمدة قاربت السنة. هذا القدر من العناية بالتفاصيل في عملية خلق الأعمال الفنية غالباً ما يبقى خفياً عن أعين المشاهدين. في حين أن إدراك مثل هذه الأمور وصقل زاوية نظرنا إلى العمل الفني، يمكن أن يكشف لنا بحراً لا ينتهي من التفاصيل، ويحفّزنا على أن نكون، بدلاً من مستهلكين عاديين يبتلعون الحلقات واحدةً تلو الأخرى، باحثين يفتّشون عن الجوانب الخفية واللامرئية الكامنة داخل الصور .

مزرعة القرطم في فيلم الأنيميشن (فقط بالأمس)
إن إنتاج فيلم أنيميشن سينمائي ثلاثي الأبعاد باستخدام الحاسوب أيضًا يستغرق وقتًا طويلًا، وذلك بسبب العمليات التقنية المعقدة مثل النمذجة، والإكساء (إضافة الخامات)، والتحريك، والإخراج النهائي (الرندرة)، وسائر أعمال ما بعد الإنتاج. وبشكل متوسط، يتطلب إنتاج مثل هذا الفيلم ما لا يقل عن ثلاث إلى خمس سنوات .
ومع ذلك، بالإضافة إلى الاهتمام بالتفاصيل التقنية الدقيقة، التي تُعَد جزءًا لا يتجزأ من الأنيميشن الرقمي، فإن بعض استوديوهات إنتاج الأنيميشن تُخصّص وقتًا طويلًا للغاية للتعرّف العميق على موضوعات القصص، وتصميم حبكة العمل، وكتابة السيناريو، بل وحتى تعديله إن لزم الأمر، سواء قبل بدء عملية الإنتاج أو بالتزامن معها وأثناء سيرها .
فعلى سبيل المثال، خلال عملية إنتاج فيلم الأنيميشن «لوكا»، سافر طاقم العمل إلى بلدة تشينكوِتّيري (Cinque Terre) الواقعة في شمال غرب إيطاليا، من أجل التعرف عن قرب على البيئة الإيطالية التي تدور أحداث القصة فيها، واستلهام الأفكار منها رغم أن بعضاً من أفراد الطاقم الرئيسيين، كالمخرج ومصمم الشخصيات، كانوا إيطاليين أصلاً!
وهذا يدلّ على أن إنتاج عمل جيّد وعالي الجودة يتطلّب بالضرورة استغراق وقت طويل، وإيلاء أهمية قصوى لكل التفاصيل في جميع مراحل الخلق والإنتاج حتى وإن كان في النهاية، بالنسبة إلى أصحاب العمل، تُعتَبَر القيمة الاقتصادية للعمل هي الأهم فوق كل شيء آخر .

حضور فريق عمل فيلم الأنيميشن "لوكا" في مدينة تشينكوِتّيري الإيطالية، المصدر: الوثائقي «داخل بيكسار»، الحلقة الثانية .
التّمهّل في السرد
جانبٌ آخر في داخل الأنيميشن يمكن أن يحمل قابليةً لمقاومة التسارع والعجلة، هو طريقة سرد القصة. فالعناصر التي تظهر أيضًا في السينما المتأمّلة أو السينما البطيئة، مثل "تجنّب الحدث" أو "اللاعقدية" في الحبكة، تُستخدم كذلك في السرد القصصي في الأنيميشن. الغاية من هذا النوع من السرد هي أن يُظهر أن وقوع حدث درامي أو معقّد ليس شرطًا حتى يكون ما يُروى جديرًا بالاهتمام. ولهذا السبب، تصبح الحياة اليومية والعادية للشخصيات، بدلًا من أن تبقى في هوامش القصة أو تمرّ مرورًا عابرًا، هي مركز الحكاية وجوهرها .
فعندما تُصوَّر لحظات مثل المشي على الأقدام، مراحل إعداد الطعام، تأمل السماء، التبديل على دراجة هوائية، ومجموعة واسعة من اللحظات البسيطة الأخرى، بدقة وحنان، فإنها تذكّرنا بقيمة هذه اللحظات، وباكتفائها الذاتي، وبالغنى المنسيّ الذي تحمله في طيّاتها .

لقطة من فيلم الأنيميشن «الفتاة التي قفزت عبر الزمن» من إخراج مامورو هوسودا
علاوة على ذلك، في بناء الشخصيات داخل هذه الأنيميشنات، لا يكون الأبطال بالضرورة منخرطين في مغامرات خارقة أو بطولات ملحمية. ليس من اللازم أن تقع تحوّلات حبكية كثيرة ومتشعّبة كي يشقّ البطل طريقه داخل القصة. إن بساطة الحبكة، التي تتجلّى في السرد البطيء، لا تعني سطحيّتها، بل تهدف إلى الامتناع عن ملء القصة بتفاصيل كثيرة ومعقدة واستعراضية، قد تحرم المُشاهد من فرصة التأمل والتواصل العميق مع العمل .
في هذه الأعمال الأنيميشنية، وعلى عكس الأعمال التجارية ذات المبيعات العالية، يكون تركيز الفنان على الأجواء، والمساحة الشعورية، والبعد الداخلي للشخصيات، أكثر من تركيزه على الأحداث، والمجريات، والمغامرات، والوقائع المثيرة
ومن السمات البارزة الأخرى لهذه الحكايات، وجود فجوات وانقطاعات وفراغات مدروسة. فالسارد يتعمّد أن يتجاوز بعض الأجزاء، أو أن يترك فراغات داخل القصة، حتى يُشرك المُشاهد في عملية إكمالها، ويمنحه فرصة لاستخلاص تحليله وتفسيره الخاص للمواقف، والأحداث، أو الشخصيات. توزيع المعلومات يتم بطريقة متوازنة بحيث لا يتعرض المتلقي لسيل لحظي من المعلومات يربكه أو يشتّته .
هذا النوع من السرد القصصي لا يسعى إلى اجتذاب انتباه المُشاهد في كل لحظة، ولا إلى إبقائه دائمًا في حالة ترقّب لتلقّي معلومة جديدة، بل له هدف آخر: أن يمنح المُشاهد متّسعًا كافيًا من الزمن والمكان كي يتماهى ويتعاطف ويفكر، ليضع نفسه مكان شخصيات القصة، ويستحضر من خلال ذلك تجاربه المماثلة والمقرّبة، فيتجوّل داخل ذاته، وذكرياته، ومشاعره .

لقطة من فيلم الأنيميشن «حديقة الكلمات» من إخراج ماكوتو شينكاي
عنصر آخر هو استخدام السرد غير الخطي أو المتعدد الخطوط، مما يفرض على المتلقي التفاعل مع القصة بتأنٍ وتفكير أعمق .
السرد التقليدي الخطي، الذي يتبع تسلسلًا منطقيًا ومتتابعًا حيث يتم تفصيل بداية القصة ووسطها ونهايتها بشكل واضح ومرتب، يُستخدم بشكل رئيسي في الأعمال التجارية. لكن عندما تُشوه التسلسل الزمني للأحداث، على سبيل المثال من خلال القفزات الزمنية إلى الماضي أو المستقبل (الفلاش باك والفلاش فورورد)، فإن المتفرج هو من يجب أن يخمن كيف يمكنه إعادة بناء القصة وفهمها باستخدام هذه المعلومات غير المتزامنة
إضافة خطوط سردية أخرى وإدخال وجهات نظر شخصيات أخرى في القصة، يعطِي المتفرج الفرصة لمراقبة بطل القصة من زوايا مختلفة واكتشاف أبعاد جديدة له. أما استخدام النهاية المفتوحة، فهو أيضًا عنصر سردي مميز يمكن أن يعطي فرصة هائلة لخيال المتفرج، إذا تم استخدامه بشكل صحيح وملائم، ليكمل الحكاية التي تجري أمامه
ولكن يجب أن يتم ذلك بحذر، ففي حال كان المبدع يعلم كيفية إنهاء قصته بالشكل السليم، لا ينبغي له أن يترك النهاية على عاتق المتفرج كوسيلة للتملص من المسؤولية

لقطة من فيلم الأنيميشن «حديقة الكلمات» من إخراج ماكوتو شينكاي
كل هذه الجوانب، بالإضافة إلى جوانب أخرى لم تتح الفرصة للتطرق إليها في هذا النص، تتضافر معًا لتخلق شيئًا "جميلًا". ليس الجمال المخادع، الظاهري، والآني الذي في الحقيقة، وفي نهايته، يلقي بظلال من القبح على الإنسان وحياته. ليس الجمال الذي – كما قال أفلاطون في تمثيله عن الكهف – مثل الظلال على الجدران، يشغل الإنسان ويحبسه في الكهف الذي علق فيه والمحدود الذي هو فيه. بل ذلك النوع من الجمال الذي يحرر، ويمنح قوة التفوق، والتحرر من قيود المعوقات، و"رفع الرأس" ليمنحنا القدرة على رؤية أشعة الشمس التي تسطع من فوهة الكهف إلى داخل الظلام
ذلك الجمال الذي يجذبنا لتمسك بخيوط النور والهروب من كهوفنا. لأنه كما قال دوستويفسكي: في النهاية، الجمال هو الذي سينقذ العالم