مريم سادات حسيني
11 أيار 2025 / قراءة: 17 دقيقة
ملف الفن والتمهل

التمهل وطقس الشاي الياباني

محور طقس الشاي في اليابان ليس المذاق أو الطعم؛ بل كلّ شيء يدور حول التمتّع باللحظة وتذكّر أنّ هذه اللحظة لن تتكرّر أبدًا. في غرفة الشاي يجب أن ننسى كلّ شيء ونركّز فقط على شرب الشاي بانسجام. وحتى عندما يجتمع شخصان في الغرفة ويشربان من فنجان واحد من الشاي، فإنّهما لا يعيشان نفس اللحظة تمامًا. يجب أن نستمتع بعمق بهذا الطقس الذي قد يبدو بسيطًا وعاديًّا، لأنّ لحظات شرب الشاي تلك لن تعود أبدًا

التمهل وطقس الشاي الياباني

من ملف «الفنّ والتمهل» نسلّط الضوء على تقليدٍ قديم في اليابان يرتبط ارتباطًا عميقًا بالتمهل  
يتناول هذا المقال تقليدًا قديمًا في اليابان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتمهل و"فن التمهل"، و النص التالي بقلم مريم سادات حسينى : 

طقس الشاي الياباني: التواجد في اللحظة
امرأة ترتدي كيمونو، جمعت شعرها بأعلى الرأس بواسطة كانزاشي، وتدير ببطء أحد أكمام الكيمونو بيدٍ بينما تحافظ على الآخر مرفوعًا. في اليد التي انكشفت، نرى مِلعقة خشبية. تتحرّك يدُها برقة بين الأواني الخشبية والمعدنية. لا يُسمع سوى صوت سكب السائل الساخن، وبخلاف ذلك سادَ الصمت. أمام المرأة يجلس عددٌ من الحضور بصمتٍ تامٍّ، تتركّز حواسّهم جميعًا على ما يحدث أمامهم: الأواني الخزفية، المِلعقة الخشبية، مسحوق الماتشا الناعم، حركة اليد، وصوت السائل الساخن وهو يُسكب
يسمي اليابانيون هذا المشهد “تشانويو” أو “سادو” أو “تشادو” أو “أوتشا”، وبالإنجليزية Japanese tea ceremony،. ولكن الأدقّ هو أن نسميه “فنّ الشاي”، وهو طقس ثقافي وتَقليدٌ يعود لعدة قرون، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجمالية اليابانية والزن.

من منظور الفنون المعاصرة، يمكن اعتبار طقس الشاي أداءً فنيًا؛ فمثل هذه العروض شائعة في الطقوس الشرقية. هذه الطقوس لا تزال من الداخل جزءًا من التراث الثقافي في الشرق، أمّا من الخارج – أي من المنظور السياحي الغربي – فغالبًا ما تُدرَج ضمن الفنون. من الرقص الهندي والخطّ الياباني إلى عروض تعتمد عنصر التمهل كعنصرٍ رئيسيّ، مثل تنسيق الزهور الياباني وطقس الشاي نفسه
الخاصية المميّزة لأداء الشاي هي مشاركة المنفّذ والمشاهد معًا. يحتوي هذا الأداء على تفاصيل كثيرة: من أدوات الشاي (كـ: وعاء الشاي “تشوان”، شوكة الشاي “تشاسن”، وملعقة الشاي “تشاشاكو” التي تُعَدّ قطعًا فنية بحدّ ذاتها)، إلى الحركات والآداب؛ فكلّ شيء مصمّم ومختار بعناية بالغة. كل حركة في طقس الشاي تتميّز برقة خاصّة؛ طريقة إمساك الأدوات، وتقديم الشاي، وجلوس المضيف والضيف، تُنفَّذ جميعها بدقةٍ متناهية، كأنّها رقصة بطيئة هادئة

نبذة تاريخية عن طقس الشاي
القرن الثاني عشر الميلادي: أتى الراهب البوذي “إيساي” بأوراق الشاي من رحلته إلى الصين إلى اليابان
القرنان الثالث عشر والرابع عشر: شرب الرهبان الشباب الشاي ليبقوا مستيقظين، وتناوله الساموراي للمتعة.
القرن السادس عشر: مع “سين نو ريكيو” أصبح الأمر أكثر عمقًا وجديّة؛ أضاف فلسفة “إيتشي-غو-إيتشي-إي” (تكريم اللحظة)، و”وابي-سابي” (الجمال في القصور والبساطة)، فصار الطقس طقسًا متكاملًا.
حتى وصل الأمر إلى أن صحن شاي أخضر طازج من كيوتو كان أغلى من الذهب، وكيس الشاي عند الساموراي كان أهمّ من سيفه


الآن، من تلك الطقوس التي يعود تاريخها إلى قرون، ما تبقّى هو أداءٌ ذو قواعد خاصة، ومدارس لتعليم هذا الفن، ويرغب كلّ سائحٍ إلى اليابان في تجربته مرّةً واحدة على الأقل. الهدف الرئيسي من طقس الشاي اليوم هو تعزيز العلاقة بين المضيف والضيف، واستجلاب السكينة في حياةٍ مزدحمة 
المدّة: يختلف باختلاف رسميته وحجمه؛ من 30 دقيقة إلى 4 ساعات في النسخة المطوّلة التي تُقدَّم فيها وجبة ويغيّر الضيوف أزيائهم.
أفضل الأوقات: تتزامن مع الفصول الخاصة مثل تفتح أزهار الكرز، أو تغيّر أوراق الخريف، أو لحصاد أورق الشاي الحديثة.

آداب وقواعد طقس الشاي
لمراسمِ الشاي قواعدُ وآدابٌ خاصةٌ بها، ولا يُشترطُ على الزائرين اتّباعُها جميعًا، ولكن يُنتَظَرُ منَ اليابانيّين التحلّي بهذه الآداب .


 الحضور في الموعد، وارتداء ثياب نظيفة، وتجنّب العطور الثقيلة، ووضع الهاتف في وضع الصامت.
1.عند الدخول، يحيّي الضيف المضيف بانحناءة.
2.لا يكلّم أحد في “غرفة الشاي” أثناء الطقس.
3.بعد تقديم الشاي، يحقّ للضيف الرئيسي فقط الكلام مع المضيف.
4.يجب أن يكون الحديث مقتصرًا على التغيرات الموسمية أو الطقس نفسه، لا مواضيع شخصية.
5.الجلوس بوضعيةى“الركبتين” خلال الطقس، وتناول الحلوى التقليدية المرفقة بالشاي على ثلاث مرات، وشرب الشاي في ثلاث رشَفات.
6.عند الانتهاء، يُفيد الضيف بصوته انتهاءه واستمتاعه بالشاي.

طقس الشاي ومكوّن التمهل
للعثور على العلاقة بين مراسم الشاي والتمهل لا بدّ من الغوص في المفاهيم الكامنة وراء هذه الطقوس. فقد قدّم سن نو ريكيو، مؤسّس مراسم الشاي اليابانية، أربعة مبادئ أساسية لها:
WA (الوِئام)
KE (الاحترام)
SEI (النقاء)
JAKU (السكينة)
كما رأى ريكيو أن مراسم الشاي تعني الحضور التامّ في اللحظة الواحدة وإدراك أن كل لحظة لا تتكرر. وأطلق على فلسفته اسم Ichi go ichi e والتي تعني «مرة واحدة، حدث واحد». ويمكن ترجمة هذه العبارة إلى: «كل لحظة تحدث مرة واحدة فقط» أو «اجعل كل لحظة مميّزة».
جوهر مراسم الشاي ليس المذاق أو الطعم، بل تكمن أهميته في التلذّذ باللحظة وتذكّر أن هذه اللحظة لن تعود. في غرفة الشاي، ينبغي أن ننسى كل شيء ونركّز فقط على تجرِبة شرب الشاي بانسجام. حتى لو اجتمعا شخصان في الغرفة وتناولا الشاي من فنجان واحد، فكلُّ منهما لا يختبران نفس اللحظة بالضبط؛ فلا بدّ من التمتّع بعمق بتلك اللحظات البسيطة التي قد تبدو عادية، لأنها لن تعود.
وأضاف سن نو ريكيو بعداً جمالياً آخر من خلال مفهوم Wabi sabi إلى طقوس الشاي. ولكي ندرك العلاقة بين مراسم الشاي وWabi sabi علينا إمعان النظر في هذا المفهوم.
فـ Wabi sabi هو مفهوم جماليّ يابانيّ مركّب من كلمتين:
(وابي) التي تدلّ على البساطة والطهارة والجمال في الأشياء غير المعقّدة
(سابي) التي تدلّ على جمال الشيخوخة والزوال وعدم الديمومة
يتضافر هذان المفهومان ليقدما رؤية أعمق للحياة والجمال. ففي الفنّ والتصميم والعمارة وحتى في الحياة اليومية، يعلّمنا Wabi sabi أن نتخلّص من الكمالية ونبحث عن الجمال في النواقص والطبيعة. فالفكرة الأساسيّة هي أن «البساطة جميلة». وهذا المبدأ يساعدنا على رؤية الجمال في العيوب، وفهم قيمة البساطة، وقبول الطبيعة الزائلة للأشياء .


يكرّم المبدأ الجماليّ لوابي سابي العيوب والدورة الطبيعية لنشوء الأشياء وزوالها. وهذه المُدركة لطبيعة الحياة الزائلة تُروّج لنهج أكثر هدوءاً ووعياً في الفنّ، وتشجّع الناظر على اكتشاف الجمال في الأمور العادية وغير المكتملة .
يمكن تتبّع مبدأ Wabi sabi في العديد من الفنون اليابانية؛ من العمارة والحدائق اليابانية والهايكو إلى مراسم الشاي. فقد رأى سن نو ريكيو، الذي استلهم جذور فلسفة Wabi sabi من الطاوية والزن البوذي، أن يبرِز هذا المفهوم في طقوس الشاي. فبدلاً من استعمال الأواني الصينية المزخرفة بالذهب واليشم الشائعة في زمانه، استخدم أواني بسيطة خشنة من الخشب والفخار

نقاط الارتباط الدقيقة بين طقس الشاي ووابي-سابي:
1. البساطة والنقاء في الأدوات والحركات.
2. القبول بعدم الدوام: كل لحظة فريدة ولا تعود.
3. الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة رغم الطبيعة الزائلة.
4. الاحترام للطبيعة، وغالبًا ما يُقام الطقس في حضن الطبيعة.

إجمالاً، إنّ وَابِي-سابِي لا يؤثرُ فحسب على جماليّة مراسمِ الشاي، بل يُعَدُّ أيضًا فلسفةَ حياةٍ تُعينُنا على إدراكِ قيمةِ اللحظاتِ البسيطةِ والطبيعيةِ بشكلٍ أعمق. كلُّ ذلك يَستلزمُ التّأمّلَ والوعيَ والبُطءَ. ابتداءً من المبادئِ الأربعةِ WA (التناغم)، KE (الاحترام)، SEI (النقاء) وJAKU (الهدوء)، ومرورًا بتعاليمِ Ichi go ichi e (“لَحظةٌ واحدةٌ، لقاءٌ واحد”)، وصولًا إلى مبدأِ وَابِي-سابِي، جميعُ هذه العناصرِ تقومُ على فرضيّةِ البُطءِ كأساسٍ، حتى وإن لم تُشِرْ إليه صراحةً.

هناك رابط قوي بين التأمل المنبثق من مذهب زن وطقوس الشاي. فما الذي يميز مراسم الشاي اليابانية عن غيرها من التجمعات القائمة حول الطعام والشراب؟ إنه اليقظة الذهنية/التأمل والهدوء اللذان يملآها. فالاتصال باللحظة، والاحتفاء بها، والصمت، والقبول، كلها مرتبطة باليقظة الذهنية وتتطلب الوتيرة التمهلية .
من الصعب قليلاً تعريف «زن». فهو مذهب فلسفي وروحي ضمن البوذية يركّز على الخبرة المباشرة والحدس. ويهدف، من خلال التأمل وتهدئة العقل، إلى بلوغ التنوير وفهم الجوهر الحقيقي للإنسان. ومن ثمّ، تعتبر اليقظة الذهنية من أهم مكوناته .
وكما ذكرنا، تقوم مبادئ مراسم الشاي على التناغم والاحترام والنقاء والهدوء، في حين تؤكد فلسفةُ زن على اليقظة الذهنية، والعدم، وزوال كل شيء. في حجرة الشاي، يكون المضيف الذي يُعدّ الشاي والضيوف الذين يراقبون خطوات التحضير جميعهم مدركين تمام الإدراك لما يحدث. فالقاعدة هي ألا ينشغل ذهنهم بأي شيء سوى ما يجري أمامهم. ولا حاجة حتى للتفكير في الخطوة التالية خلال هذا الطقس؛ بل يكفي الارتباط باللحظة وتجربة السلام الداخلي. ولهذا لا يمكن فصل مراسم الشاي عن زن .
وفي ثقافات شرقية أخرى، وحتى في الثقافة الإيرانية، نجد طقوساً يتمحور محورها حول إعداد طعام أو شراب يستحيل إنجازه من دون تخصيص الوقت والصبر والوتيرة التمهليئة. لقد كانت عبقرية اليابان في الحفاظ على تفاصيل مراسم الشاي وتقديمها للجمهور المعاصر في صورةٍ فنية. فلماذا لا نفعل الشيء ذاته في طقوسنا الغذائية؟
 




الصور المرفقة

  • آرائكم تهمنا
  • لن يتم نشر الرسائل التي تحتوي على قذف أو تشهير!

محور مراسم الشاي لا يدور حول المذاق والطعم، بل يتمحور كل شيء فيه حول الاستمتاع باللحظة وتذكّر أن هذه اللحظة لن تتكرّر أبدًا. في غرفة الشاي، يجب أن ننسى كل شيء، ونركّز فقط على شرب الشاي بتناغم ووعي تام. حتى عندما يلتقي شخصان في غرفة واحدة ويشربان من فنجان شاي واحد، فإنهما لا يختبران اللحظة ذاتها. يجب التلذّذ بعمق بهذه الطقوس، التي قد تبدو بسيطة وعادية، لأن تلك اللحظات الخاصة بشرب الشاي لن تعود أبدًا.

مبدأ الـ«وابي سابي» لا يؤثر فقط على الجماليات في طقوس الشاي، بل يُعدّ فلسفة حياة تساعدنا على إدراك قيمة اللحظات البسيطة والطبيعية بشكل أعمق. كل هذا يتطلب تأمّلًا ووعيًا وتمهّلًا. من المبادئ الأربعة: *وا (WA)* أي الانسجام، *كه (KE)* أي الاحترام، *سيي (SEI)* أي الطهارة، و*جاكو (JAKU)* أي السكينة، وصولًا إلى التعليم المعروف *إيتشي-غو إيتشي-ئه (Ichi-go ichi-e)*، وأخيرًا إلى مبدأ الـ«وابي سابي» نفسه—كلها تقوم على افتراض التمهّل، حتى لو لم يُذكر ذلك صراحة.

محتوى ذو صلة